ننتظر تسجيلك هـنـا


( سجادة حمراء وأرائـك الهطول# حصريآت ال روآية )  
 
 
{ Great love to you-حُب عظيم لك  )
   
.>~ { للجمال عنوان وهنا عنوانه { نشطاء منتدى روآية عشق لهذا الأسبوع } ~
    نور"     سكرة"     رحيل"     نبضها"     البرنس"     ضمة"     العز"     عموري"     عشق"     مثلي"     كراميلا"     غرام"     ختان"     البهلوان"     السعيد"     شاعر"


♬ عَالم القِصـة والروَايـة ♬ ثرثرَة وحُروف وكلِمات كوّنت حكَاية على جدَار الزّمن .

إضافة رد
#1  
قديم منذ 4 أسابيع
Şøķåŕą متواجد حالياً
Egypt     Female
SMS ~ [ + ]
قَدَاسَة طُهِّرَ | | أَوْسِمَتِي | |
 
 عضويتي » 1870
 اشراقتي ♡ » Jun 2021
 كُـنتَ هُـنا » منذ دقيقة واحدة (08:35 PM)
موآضيعي » 25421
آبدآعاتي » 8,047,838
 تقييمآتي » 2371419
 حاليآ في »
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه Egypt
جنسي  »  Female
 حالتي الآن » ☆بعالم الحب يا حب ❤️ ☆
آلعمر  » ❤
الحآلة آلآجتمآعية  » » ❤
تم شكري »  58,192
شكرت » 32,799
الاعجابات المتلقاة » 15303
الاعجابات المُرسلة » 2696
مَزآجِي  »  الحمدلله
мч ѕмѕ ~
мч ммѕ ~
MMS ~
 
Q126 الخاصرة الرّخوة 1



ملاحظة: الأسماء الواردة في هذا النّص متخيّلة، وإن وجد شبيه لها على أرض الواقع فهو محض صدفة.

عاد من عمله منهكا، رائحة زيت قلي الفلافل تفوح من ملابسه، ندوب بقايا حروق على ساعديه ووجهه غير الحليق من الزّيت الذي يتطاير من المقلى، حيث يبيع "ساندويشات" الفلافل لطلّاب مدرسة الذّكور التي تبعد عن بيته حوالي خمسمائة متر، جلس على كرسيّ خشبيّ أمام البيت المكوّن من غرفتي نوم، صالون ومطبخ وحمّام. لم يشعر بقدومه أحد من أهل بيته، ولم يسأل هو عن أحد، فقد اعتاد على الجلوس أمام البيت عندما يكون الجوّ ملائما، يمدّ نظره إلى الأفق البعيد، ينظر جمال الطّبيعة، وأحيانا يراقب الغيوم البيضاء المتناثرة في الفضاء والرّيح تدفعها شرقا، يحملق فيها، يرى أنّها ترسم لوحات جميلة لأماكن لا تنمحى من ذاكرته. في ذلك اليوم القائظ، رأى الغيوم تجسّد شكل البيت الذي ولد فيه على شاطئ يافا، رأى المرحوم والده يتشكّل غيمة أمام البيت، تنهّد عندما سمع أذان صلاة العصر ينطلق من المسجد الأقصى، فحيّ الصّوانة على السفح الغربيّ لجبل الزّيتون-حيث يسكن- يطلّ على الأقصى، ردّد الأذان خلف المؤذّن، صلّى على النّبيّ، أقام الصّلاة، أدار كرسيّه باتّجاه القِبلة، وصلّى جالسا على الكرسيّ، فساقاه مرهقتان، لا تقويان على الرّكوع والسّجود، في آخر الصّلاة حمد الله وشكره على ما هو فيه، راودته أفكار حاول الابتعاد عنها من خلال قراءة المعوذتين، فهو مؤمن بأنّ كلّ شيء من الله، ولو شاء الله أن يرزقه ولدا ذكرا يعينه على تكاليف الحياة لرزقه، لكنّه لم يرزقه الابن الذّكر لحكمة بالتأكيد لا يعلمها إلا الله، الذي رزقه خمس بنات حسناوات يتمتّعن بجمال مميّز، لكنّه عاد يسأل الله أن يطيل عمره، حتّى تكمل بناته تعليمهنّ الجامعيّ، فثلاث منهنّ في الجامعة، واثنتان واحدة في الثّانويّة ستنهيها بعد عام، وستكون شقيقتها الكبرى قد تخرّجت من جامعتها وستعمل مدرّسة، في حين الخامسة في الصّفّ التّاسع. دعا الله أن يرزق بناته أزواجا أبناء حلال، يتّقون الله فيهنّ، ويعشن بسعادة بعد أن ينجبن البنين والبنات، ورفع صوته قائلا:

يا مجيب الدّعاء يا الله.

وهنا سمعت زوجته الصّوت فأطلّت عليه وقالت:

يعطيك العافية يا عيسى، ادخل واستحمّ وغيّر ملابسك.

فقال متكاسلا: دعيني أرتاح قليلا، بعدها سأستحمّ وسأغيّر ملابسي.

في هذه اللحظة رأت إمام المسجد ومعه ثلاثة رجال قادمين إلى بيته، فأشارت زوجته إليهم وقالت له وهي تعود إلى البيت:

جاءنا ضيوف، ليتك استحممت وغيّرت ملابسك قبل وصولهم.

أدركه الضّيوف فوقف وقال: أهلا وسهلا.

أشار إليهم أن يدخلوا إلى الصّالون وهو يكرّر التّرحيب بهم.

بعد قليل استأذن منهم كي يحضر قهوة الضّيافة التي أتت بها ابنته البكر جمانة، لم تظهر عليهم، طرقت الباب الخشبيّ الذي يفصل الصّالون عن بقيّة البيت، دار عليهم بالقهوة بدءا من إمام المسجد، فهو أكبرهم سنّا ومقاما.

وضع كلّ منهم فنجان قهوته أمامه، تنحنح إمام المسجد وبسمل وحمد الله وقال:

لنا عندك طلب يا أبا جمانة، ولن نشرب قهوتنا قبل أن تلبّيه لنا.

فأجاب أبو جمانة مرتبكا:

حيّاكم الله، طلبكم مستجاب إن قدرت عليه.

فقال الإمام بعد أن مسّد على لحيته، ورتّب جبّته على كتفيه:

بسم الله الرّحمن الرّحيم، نحمد الله ونصلّي على نبيّه، نحمد الله الذي أحلّ النّكاح وحرّم السّفاح، نحمده وهو القائل:" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"ونصلي ونسلّم على رسوله وهو القائل:" تناكحوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة". ويقول عليه الصّلاة والسّلام:" إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ".

ونحن جئنا نطلب يد ابنتكم رفيعة الحسب والنّسب جمانة، للشّاب الخلوق أسامة سعيد العدنان، وأشار إلى الشّابّ الذي كان يطأطئ رأسه حياء.

تنهّد أبو جمانة وقال:

حيّاكم الله... احتسوا قهوتكم، لكن أعطوني فرصة ليومين؛ كي نتداول الأمر مع أهل البيت؛ ولأسمع رأي البنت.

فقال الإمام: هذا لك، وطلبك شرعيّ لا نستطيع رفضه. رفع الشّيخ فنجانه وهو يشير إلى أسامة وأبيه وعمّه بأن يحتسوا قهوتهم.

رشف الشّيخ رشفة واحدة وقال:

أؤكّد أنّ هذا الزّواج متكافئ إذا كتب الله النّصيب، فالأستاذ أسامة يحمل "ماجستير" في أصول الفقه من جامعة الأزهر الشّريف، وهو الآن معلّم في السعودية ويتقاضى راتبا مجزيا، وكريمتك جمانة كما نعلم ستتخرّج السّنة من كلّيّة الآداب- قسم اللغة العربيّة في جامعة القدس.

ابتسم أبو جمانة وقال: جمانة ستتخرّج في الصّيف القادم، أي بعد سنة.

رفع أسامه رأسه وقال:

إذا كان لي فيها نصيب، سنخطب هذا العام وسنؤجّل الزّواج إلى العام القادم حتّى تنهي دراستها.

التفت أبوه إليه غاضبا وتساءل:

ماذا ستستفيد من دراستها؟ فالنّساء خلقن للزّواج والإنجاب وخدمة أزواجهنّ.

شعر أسامة بالحرج من كلام أبيه، لكنّه سكت، وقبل أن يتكلّم أبو جمانة قال الإمام:

الزّوجة والأمّ المتعلّمة خير من الزّوجة والأمّ الجاهلة، والرّسول صلى الله عليه وسلّم حضّ على تعليم البنات، وبارك الله بأبي جمانة الذي يحرص على رعاية بناته وتعليمهنّ، وإن شاء الله سيكونّ سترا له من النّار.

التفت أبو جمانة إلى أبي أسامة وقال متجهّما:

إذا جئتم تطلبون خادمة لابنكم، فقد أخطأتم في العنوان، فالنّساء شقائق الرّجال، والزّواج سنّة الحياة، والحياة الزّوجيّة تقوم على البرّ والإحسان، وابنتي لن تكون خادمة لأحد، لكنّها ستكون زوجة صالحة لمن تكون من نصيبه.

بُهِت أسامة ووالده من كلام أبي جمانه، لكنّ الحاجّ عزّ الدّين عمّ أسامة قال باسما:

لا تفهم كلام أبي أسامة بطريقة خاطئة يا أبا جمانة، فهو لم يقصد ما قلته، فالرّجل يعني أنّ الزّوجة الصّالحة تكون ربّة بيت، وأُمّا صالحة وسندا لزوجها للتّغلّب على صعوبات الحياة.

قطع إمام المسجد حديثه وقال:

والزّوج الصّالح يكون زوجا وأبا وربّ بيت صالحا أيضا.

دُهش أبو أسامة من هذا الكلام وسأل حائرا:

ما الدّاعي لهذا الكلام؟ ماذا قلت أنا؟ فقصدي أنّ أسامة شابّ من خيرة الشّباب، متعلّم ويخاف الله، وله دخل من عرق جبينه سيسدّ احتياجات بيته ويزيد، وستكون زوجته ربّة بيت معزّزة مكرّمة.

يستمع أسامة لكلام الجميع، ويلتزم الصّمت، فقد تربّى على عدم الكلام في حضرة الكبار. لكنّ إمام المسجد حسم الأمر بقوله:

لا داعي لهذا الكلام، فإذا كانت جمانة من نصيب أسامة، فكلّ منهما يعرف ما له وما عليه، خصوصا وأنّهما متعلّمان ويعرفان حدود الله. والتفت إلى أسامة وسأله:

أليس كذلك يا أسامة؟

أسامة: ربنا ييسّر ما فيه خير لنا جميعا.

فقالوا: آمين يا ربّ العالمين.

وهنا التفت الإمام إلى صحبه وقال: دعونا ننصرف.

كما التفت إلى أبي جمانة وقال:

نحن في انتظار الرّدّ على طلبنا منك.

*****

بعد أن ابتعدوا قليلا عن بيت أبي جمانة، قال أبو أسامة:

الدّنيا آخر وقت، سبحان الله، صدق المثل الذي يقول:" بيجي للرّدي يوم يتشرّط ويتمظرط فيه، حتّى لو في يوم زواج بنته"، وهذا عيسى الحمّاد، بدل من أن يحمد الله على طلبتنا لابنته، طلب مهلة لاستشارة أهل بيته.

التفت إليه أخوه الحاج عزّالدّين وقال:

عيب عليك يا سعيد أن تقول هكذا كلام، فالرّجل فاضل، وما عرفنا عنه إلا كلّ خير منذ سكن حيّنا، وقد يكون عند الله أفضل منّا جميعا، ومن حقّه وحقّ أهل بيته أن يتشاوروا.

سعيد: وما العيب في كلامي؟ يكفيه أنّه وحيد لا قريب له، ولا عزوة عنده، فليستر بناته وينخرس.

قال أسامة على استحياء:

يا أبي هذا كلام لا يليق بنا، إذا كانت في الرّجل عيوب فلماذا نقبل مصاهرته؟

أبو أسامة: كلّه "قسمة ونصيب".

إمام المسجد غاضبا: ما تقوله كلام لا يقبله عاقل يا سعيد، وقسما بالله، لولا احترامي وحبّي للأستاذ أسامة، ما مشيت معك في طريق، ولا رافقتكم في طلبِ ابنة عيسى الحمّاد، فأنا أعرفك جيّدا، فأنت تتدخّل كثيرا فيما لا يعنيك، وتسيء للآخرين بسبب ودون سبب. وعيسى الحمّاد ليس مقطوعا من شجرة، لكنّ الزّمن جار عليه كما جار على غيره من أبناء شعبنا، الذين غادروا ديارهم مكرهين عام النّكبة بسبب ما تعرّضوا له من قتل وتدمير وتشريد، وتشتّتوا في بقاع الأرض، وهذا لا يعيبهم يا أبا أسامة. وأبو جمانة شاء حظّه أن يكون بيننا، بينما تشتّت عائلته في أرض اللجوء، وهو واحد منّا له ما لنا وعليه ما علينا.

عزّالدّين: كلامك صحيح يا مولانا، وإخوتنا اللاجئون لا فرق بيننا وبينهم، ولهم علينا حقوق يجب عدم إغفالها، ونتشرّف بمصاهرتهم، والتفت إلى أسامة وقال:

هل أنت موافق يا عمّي على الزّواج من جمانة أم لا رأي لك؟

أسامة على استحياء:

نعم موافق، وإلا لما رافقتكم في طلب يدها.

إمام المسجد يسأل أسامة:

هل تعرفها؟

نعم أعرفها شكلا منذ ولادتها، فهي تصغرني بخمس سنوات، وهي متميّزة بجمالها، وازدادت جمالا بملابسها الشّرعيّة وبالتحاقها بالجامعة، ممّا يعني أنّها صاحبة دين وخلق.

الإمام: إذن توكّلوا على الله، وربنا يجيب ما فيه الخير". ونسأل الله أن يهدي والدك.

*****

بقي عيسى الحمّاد متّكئا على كرسيّ خشبيّ في صالون بيته، جاءت زوجته تسأل:

خيرا يا عيسى ماذا يريد ضيوفك؟

- ألا تعرفين؟

- من أين لي أن أعرف؟

- إلحاحكِ عليّ بالاستحمام وتغيير الملابس يدلّ أنّك تعرفين.

ضحكت وقالت: "كلّه حكي نسوان" .

سحب أبو جمانة نفسا عميقا وقال لها:

نادي على البنات كي نبحث ما جاؤوا من أجله.

جلس الوالدان وبناتهما الخمسة في الصّالون، دخان سيجارته يصعد إلى الأعلى بشكل لولبيّ غير منتظم، ثمّ يتسلّل عبر النّافذتين المفتوحتين، وما لبث أن قطع حبال الصّمت، وقال:

جاؤونا يطلبون يد جمانة لأسامة سعيد العدنان، فما رأيكنّ.

تفاجأت البنات بما سمعن، نظرن إلى وجه أمّهنّ التي قالت بخبث:

الرّأي رأيك.

كيف الرّأي رأيي؟ الرّأي الأوّل والأخير لجمانة.
احمرّ وجه جمانة، طأطأت رأسها حياء وقالت:

أنا لا رغبة لي بالزّواج في هذه المرحلة، وكلّ ما يهمّني هو أن أكمل دراستي.

الأب: اسمعي يا ابنتي، مصير البنات الزّواج، وهذه سنّة الحياة، ومن لا تتزوّج اليوم ستتزوّج غدا إذا كتب الله لها نصيبا، وأسامة شابّ متعلّم، والبنات يتمنّينه.

جمانة: ربّنا يوفقه، "يبعده ويسعده."

أمّ جمانة: والله الأستاذ أسامة ما عليه كلام، وهذه فرصة يجب عدم تضييعها.

جمانة: الزّواج غير وارد عندي مطلقا، بغضّ النّظر عن الطّالب سواء أكان أسامة أم غيره، يضاف إلى ذلك أنّ والدة أسامة شرّيرة، فهي على خصومة مع جميع جاراتها. وشقيقا أسامة المتزوّجان، أحدهما طلّق زوجته، والثّانية عند أهلها منذ أشهر، "معلّقة لا هي مطلقة ولا متزّوجة"، لا أحد يسأل عنها، وحتّى أنّهم لا يسألون عن ابنها الذي هو ابنهم.

الأب: أسامة يعمل في السّعودية، وإذا وقع النّصيب ستكونين معه، وستبتعدين عن أسرته كاملة.

جمانة: المشكلة ليست عندهم، المشكلة -إن كانت هناك مشكلة- عندي أنا، فالزّواج لا يخطر لي على بال، وكلّ تفكيري منصبّ على إنهاء دراستي الجامعيّة.

الأب: هذه ليست مشكلة، سنتمّم الخطبة هذا العام، وسنشترط عليهم أن يتمّ الزّواج بعد عام، عندما تكملين دراستك.

جمانة: يا أبي، يا حبيبي، أكرّر قولي لكم، أنا لا أريد الزّواج من أسامة ولا من غيره.

التفت الأب إلى زوجته وقال لها:

اسمعي يا لطيفة، خذي بنتك، واقنعيها، وإن بقيت على إصرارها فلا حول ولا قوّة إلا بالله.

خرجت البنات من الصّالون، ذهبت جمانة إلى سريرها، تمدّدت وقد أعيتها الأفكار التي تتصارع في رأسها، لكنّها مصمّمة على عدم الزّواج في هذه المرحلة.

لحقت بها والدتها، جلست بجانب سريرها وقالت باسمة:

اسمعي يا جمانة، أنت الأن على وشكّ التّخرج من الجامعة، وبعض بنات جيلك تزوّجن وأبناؤهنّ يذهبون إلى المدارس، دلع البنات لا ينفعك، و"حظّك يفلق الصّخر" مَنْ مِنْ زميلاتك جاءها خاطب يحمل شهادة "ماجستير" ويعمل في السّعودية؟

جمانة: والله يا أمّي لم أفكّر يوما بالزّواج، وكلّ همّي أن أكمّل دراستي، وأسأل الله أن لا يأتيني خاطب مرّة أخرى، وبعد تخرّجي من الجامعة سأعمل مدرّسة، وسأساعدكم على تكاليف الحياة، وسأبقى خادمة لك ولأبي فقد شقيتما كثيرا.

الأمّ: ما هذا الجنون يا بنت؟ نحن أمورنا مستورة والحمد لله، ولا حاجة بنا لمساعدتك أو مساعدة غيرك، وكلّ همّنا أن تكملي أنت وشقيقاتك تعليمكنّ وأن تتزوّجن ممّن يسترونكنّ، وسعادتنا تكون عندما نرى أبناءكنّ ونطمئنّ عليكنّ.

جمانة: يا إلهي! كلامي النّهائيّ هو أنّني أرفض الزّواج.

الأمّ: هل في حياتك شخص آخر؟ قولي لا تستحي.

جمانة: لا حول ولا قوّة إلا بالله، والله لم أفكّر في حياتي برجل، ولا أريد الزّواج. هل هذا صعب عليكم أن تفهموه؟

خرجت أمّها من غرفة النّوم غاضبة وتقول:

لا ردّك الله.

ذهبت لطيفة إلى زوجها في الصّالون وقالت:

اسمع يا عيسى، جمانة لا تزال جاهلة، لا تعرف معنى الحياة، و"العرض ما بنحمى بالسّيف"، "ردّ للجماعة خبر بالموافقة"، واترك جمانة لي.

- يا بنت النّاس "كل شيء بخناق إلا الزّواج باتّفاق".

- أنا أدرى بشؤون النّساء، "يتمنّعن وهنّ راغبات"، والواحدة منهنّ ترفض " ولسانها قدّامها شبر"، عندما ترى النّساء حولها يغنّين لها، ستغيّر رأيها.

- فكِّرْن سويّة حتّى يوم الجمعة القادم، وتكلّمي مع شقيقتها تغريد لعلها تستطيع إقناعها.

قالت لطيفة وهي تضحك:

كانت تغريد تدور في الغرفة ضاحكة، وتقول ساخرة:

تدلّلي يا جمانة.

أبو جمانة: وماذا قالت لها جمانة؟

- قالت لها: تزوّجيه أنت.؟

- فردّت عليها تغريد ساخرة:

- لو طلبني أنا لقبلتُ به.

جمانة غاضبة: مبارك عليك.

قالت تغريد بعناد ودلع:

أخشى أن يضحك علينا النّاس، فلا يجوز لي حقّ الشّفعة بخاطب أختي.

ضحك أبو جمانة وقال:

تغريد - الله يرضى عليها- مرحة وتحبّ المزاح.

بقي أبو جمانة قلقا يفكّر بجمانة خاصّة وببناته الأخريات عامّة، فهو حريص على ما ينفعهنّ، ومستقبلهنّ يؤرّقه، فالبنات خلقن للزّواج، وهو ليس من أنصار من يقولون "همّ البنات للمات"، لكنّه بات مقتنعا أنّ هموم الأبناء سواء أكانوا بناتا أم أولادا تكبر معهم، وفي هذا المجتمع الذي لا يرحم النّساء فإنّه حريص على تزويج بناته في حياته، تماما مثلما هو حريص على تعليمهنّ، لإيمانه الثّابت بأنّ تعليم البنت درع يحميها، فإذا تعلّمت فإنّها تستطيع أن تحصل على وظيفة تدرّ عليها دخلا تحقّق من خلاله ذاتها، فالاستقلال الاقتصاديّ مهمّ جدّا للإنسان سواء أكان رجلا أم امرأة. ويحيّره رفضُ جمانة لخاطبها أسامة، فهما متكافئان، فكلاهما جامعيّان، وعمراهما متقاربان.

تقلّب في فراشه واستذكر ما قالته جمانة عن والدة أسامة، فالمرأة غيورة وشرّيرة، وهذا معروف لدى كلّ من يعرفونها، فهي تخاصم كلّ امرأة تعرفها، وأكثر ما تغار من النّساء المتعلّمات، ولا تجد ما تفاخر به سوى أنّها ولّادة، كثيرة الإنجاب، ومع أنّها أنجبت ستّة أبناء وأربع بنات، إلا أنّها تغار من الصّبايا اللواتي يحملن وينجبن.

لكن إذا وقع نصيب جمانة مع أسامة فلن تعيش معها، ولا مع زوجها، لأنّها سترافق زوجها الذي يعمل مدرّسا في السّعودية.

حسم أبو جمانة الأمر وقرّر أنّ نصيب جمانة سيكون مع أسامة، فهو رجل دين وعلم، ومع ذلك سيترك محاولة إقناع جمانة حتّى يوم الجمعة القادم، وإن بقيت على إصرارها فلن يوافقها على هذا الرّأي، وهي لا تستطيع الخروج عن رأيه، كما أنّه على قناعة بأنّه يعرف مصلحتها أكثر ممّا تعرفها هي.

*****

اسودّت الدّنيا في وجه جمانة، استدارت على جانبها الأيسر في فراشها، غطّت جسدها كاملا بما في ذلك رأسها بلحاف خفيف، تركت ارتفاعا بسيطا أمام وجهها لتتنفّس منه، لم تعد ترى أمامها إلّا الحائط، انهارت دموعها رغما عنها، لم تعد تدري لماذا تبكي؟ هل تبكي حظّها العاثر أم ماذا؟ فالزّواج لم يخطر لها على بال، حتّى إنّها تشفق على زميلتها المتزوّجة، وتتساءل عن سبب زواجها، ولم تستسغ يوما أحاديث زميلاتها البنات في الجامعة وكلّ منهنّ تروي ضاحكة شغفها الأوّل البريء بابن الجيران، قالت لهنّ ذات يوم:

والله لا أعرف سببا لضحككنّ هذا.

فسألتها زميلتها وطفاء التي تكبرها بثلاث سنوات:

لماذا أنت غاضبة؟

- لست غاضبة، ولكن ما هذا الجنون؟ لا حديث لكنّ سوى فلانة خطبها فلان، وفلانة تزوّجها فلان، وفلانة حامل، وفلانة أنجبت طفلا، وفلانة فلان الفلاني ينظر إليها بإعجاب وسيخطبها قريبا، وفلان وسيم، وفلان طويل... أفففففف، ما لنا وللنّاس؟

ابتسمت وطفاء لها، أمسكت بيدها وقالت لها:

تعالي يا جمانة لنجلس هناك، وأشارت إلى مقعد خشبيّ في ظلال شجرة قريبا من نافورة الماء.

جلستا على المقعد وحيدتين، أخرجت وطفاء من حقيبتها اليدويّة لوحَ شوكلاتة، مدّته بيدها لجمانة؛ لتقسم منه قطعة، وضعت كلّ منهما قطعة الشوكلاتة في فمها، شعرت وطفاء بسعادة وقالت:

سأتكلّم معك يا جمانة في موضوع؛ لأنّني أحبّك في الله.

انتبهت جمانة للطف وطفاء ونعومة حديثها فقالت:

تفضّلي يا وطفاء.

وطفاء: أعترف لك بأنّكِ أكثر طالبات الجامعة جمالا، والطّالبات يكثرن من الحديث عن جمالك المميّز، وعن تفوّقك في الدّراسة، ولا بدّ أن من يراك من الشّباب يعجب بجمالك أيضا، ويتمنّى أن تكوني زوجة له. لكنّ البنات ينتبهن أنّك إنطوائيّة لا تختلطين بهنّ أو بغيرهنّ، وبعضهنّ يفسّر ذلك بأنّك تتعالين عليهنّ، وتنفرين من أحاديثهنّ الجانبيّة؛ لأنّك الأكثر جمالا وحسنا واجتهادا.

لم تستطع جمانة مواصلة السّكوت، فقطعت حديث وطفاء وقالت بلهجة فيها حدّة، لكن بصوت منخفض، كي لا يسمعها أحد غير وطفاء:

والله يا وطفاء لم أرَ نفسي يوما جميلة، بل إنّني أرى نفسي مثل بقيّة الزّميلات، لكن ما يغضبني من غالبيّة زميلاتي هو كثرة حديثهنّ عن فارس الأحلام الذي تنتظره كلّ واحدة منهنّ؛ ليردفها خلفه ويحلّق بها نحو القمر.

وطفاء: وما الخطأ في ذلك ما دام حديثهنّ كلاما في كلام؟

فردّت جمانة متجهّمة: ما الدّاعي لهكذا كلام؟

وطفاء: ما الدّاعي لغضبك هذا؟ فمن حقّ كلّ فتاة أن تحلم بالزّواج، فهذه سنّة الحياة.

جمانة: هل تصدّقين أنّني لم أفكّر يوما بالزّواج، ولم أنتبه يوما لأيّ شابّ؟

تذكّرت جمانة حديثها مع وطفاء وهي متمدّدة دون حراك على فراشها، ودموعها تنزل سخيّة دون إرادة منها حتّى بلّلت وسادتها. هي على قناعة تامّة بأنّها ترفض الزّواج من أسامة أو من غيره، ولا بدّ لها من إقناع والديها بعدم الاستجابة لطلب أسامة لها. واصلت تفكيرها في الموضوع كفتاة لا حول لها ولا قوّة، استذكرت عددا من النّساء اللواتي تعرفهنّ، وسبق لهنّ أن تزوّجن بناء على رغبة ذويهنّ، لكنّها حقيقة لا ترغب بالزّواج في الأحوال كلّها، ولعنت اليوم الذي ولدت فيه كأنثى في هكذا مجتمع لا يرحم إنسانيّة الأنثى. فجأة تمنّت لو أنّها وُلدت ابنا ذكرا، كي تفهم كيف يعشق الرّجال النّساء؟ وكيف يرغبون بالزّواج منهنّ، وما يعجب كلّ واحد منهم في شريكة المستقبل التي يحلم بها، وكيف يرفض الواحد منهم بيسر وسهولة من تعرضها عليه أمّه أو أبوه من الفتيات ليتزوّجها؟ في هذه اللحظة تحرّكت فيها أنوثتها، فتوقّفت هنا لتمتحن عواطفها، ووجدت أنّها تحلم بشابّ وسيم تشعر بدفء حضنه، ترمي رأسها على صدره المليء بالشّعر، تتحسّس الشّعر النّامي على ساعديه، يملأ قلبها حبّا، تشعر بأنّه يحترم إنسانيّتها، يوفّر لها الحماية من غيلان المجتمع، وأن لا تتعدّى علاقتها معه القبلات النّابعة من القلب، فهي لا تريد أن تكون أمّا، ولا تقبل أن يُستغلّ جسدها من أيّ أنسان. ابتسمت وهي ترى الشَّعْر على صدر الرّجل حديقة ورود تشعل نار الشّغف في قلبها، ورائحة عرقه تبعث الدّفء في قلبها، لكنّها ما لبثت أن طردت هذا الخيال الذي راودها من ذهنها، عادت لإصرارها برفض الزّواج من أسامة أو من غيره، وقرّرت أن تترك بحث الموضوع لسنوات قادمة لا تعرف كيف سيكون تفكيرها ورغباتها فيها. استحمّت ووقفت عارية أمام المرآة، نظرت إلى تفاصيل جسدها، وتساءلت قائلة:

يا إلهي هل جسدي صحراء قاحلة لا تصلح للحرث والزّراعة؟

صباح اليوم التّالي قرّرت جمانة الحديث في الموضوع مع رسميّة زميلتها الطالبة في كليّة الشّريعة المتزوّجة والتي أصبحت أمّا لولد، رصدتها في ساحة الجامعة، فذهبت إليها، استأذنتها لتجلس معها على انفراد، قالت لها بتردّد وحياء:

عزيزتي رسميّة، أنت أختي في الله، أريد نصيحتك، فأنا لم أنم في الليلة الماضية.

رسميّة: حيّاك الله يا أختي، مِمّ تعانين؟

جمانة: يوم أمس جاءني خاطب، وأمّي وأبي يرغبان بتزويجي له، وأنا لا أريد الزّواج منه أو من أيّ شابّ آخر، فما رأيك؟

نظرت إليها رسميّة بحيرة وقالت:

إذا كان من تقدّم لخطبتك مناسبا، فلِمَ ترفضينه؟

جمانة: ماذا تقصدين بالشّاب المناسب؟

رسميّة: أقصد دينه وأخلاقه، مستواه التّعليميّ، عائلته، شكله..هل منظره مقبول أم أنّه دميم؟ هل خفق قلبك له؟

جمانة: الشّاب يحمل "ماجستير" شريعة، يكبرني بخمس سنوات، أمّه شرّيرة غيورة كما نسمع، وهو يعمل مدرّسا في السّعودية.

رسميّة: إذا كان صاحب دين وعلى خلق، فلا تسألي عن أمّه، ولو بحثنا عن والدَيْ أيّ شابّ يريد الزّواج لما تزوّج أحد، فهناك صراع الأجيال كما تعرفين، وما دام يعمل في السّعودية فستعيشين معه هناك بعيدا عن والديه وعن والديك.

جمانة: المشكلة ليست فيه، المشكلة عندي، فأنا لا أفكّر بالزّواج مطلقا منه أو من غيره، وما يهمّني هو إكمال دراستي الجامعيّة.

رسميّة: الزّواج سنّة الحياة، فمن حقّ الشّابّات والشّباب أن يتزوّجوا وأن ينجبوا. والزّواج لا يعيق الدّراسة خصوصا في المرحلة الجامعيّة.

جمانة: سؤالي لك هو:

من خلال تجربتك، هل أنت نادمة على زواجك؟

رسميّة: بالعكس، فالزّواج سكن وطمأنينة يقول تعالى:" وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". وأنا سعيدة بزواجي، وطفلي أغلى على قلبي من الدّنيا وما فيها.

جمانة: يا إلهي! لكنّني لا أرغب بالزّواج.

رسميّة: سؤال ليس لي، وآسفة مسبقا على طرحه عليك، وأعتقد أنّه سيساعدني في فهم أسباب رفضك الزّواج:

هل يوجد في حياتك شخص آخر؟

أجابت جمانة بثقة وحزم:

أقسم إنّني لم أفكّر يوما في الزّواج، ولم أُعجب برجل في حياتي، ولا تربطني أيّة علاقة حتّى لو كانت حبّا عذريّا بأيّ شابّ.

رسميّة مستغربة: أمرك عجيب يا جمانة، فكلّ بنت في مثل عمرك تمنّي النّفس بأن يتقدّم لها شابّ قبل أن يفوتها القطار. ولا تنسي أنّ الله حباك جمالا مميّزا، وكثير من الشّباب يتمنّى الواحد منهم أن تكوني زوجته المستقبليّة.

جمانة: شكرا لك على الإطراء، مع أنّني لا أرى نفسي جميلة، وما يقلقني هو خوفي من أبي إذا أرغمني على الزّواج.

رسميّة: إذا رأى والداك أنّ زواجك من الشّابّ الذي تقدّم لخطبتك في مصلحتك، فإنّ رأيهم أكثر صوابا من رأيك، فأطيعي والديك ولا تكوني ابنة عاقّة.

نزلت دمعتان من عيني جمانة وهي تقول:

غفرانك ورحمتك ربّي، من يفهمني؟ لا أريد الزّواج من أيّ إنسان.

قالت ذلك وهما تفترقان وكلّ منهما تذهب لمحاضرتها.

*****

جلست جمانة في الزّاوية الخلفيّة لقاعة المحاضرات، فهي تريد الابتعاد عن زميلاتها، أو بالأحرى لا تريد أن يقترب منها أحد، فيرى همومها مرسومة كلوحة عبثيّة خطّها قلم طفل يلهو.

جمانة خائفة حقّا، فهي تعرف أباها ذلك الرّجل الطّيّب الذي يحبّ بناته بعاطفة صادقة، ويحرص عليهنّ أكثر ممّا يحرص هو على نفسه، أو يحرص الآخرون على بناتهم، أخذت تناجي نفسها، دعت ربّها قائلة:

إلهي أنت العالم بحالي، وحال أبي، وتعلم أنّ أبي يبذل الغالي والنّفيس في سبيل تحقيق أيّ شيء يرى فيه مصلحة بناته، إلهي إنّي أخاف أن يلبّي أبي طلب الجاهة التي جاءت تطلبني لأسامة سعيد العدنان، وأنا كما الكثيرات من بنات جنسي لا أستطيع أن أقف في وجه أبي، ولا أستطيع أن أقول له "لا"، فرضا الوالدين من رضا الله، مع أنّني أعي تماما أنّك يا خالقي أعطيتني الحقّ بأن أقبل أو أن أرفض أيّ شابّ يتقدّم لي، لكنّ مجتمعنا سلبنا هذا الحقّ الذي أعطيتنا إيّاه يا ربّي، ونحن لا حول لنا ولا قوّة، إلهي يا عالم الغيب وما تخفي الصّدور أرني الحقّ حقّا وارزقني اتّباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه أنا ووالديّ وأصحاب الحقوق عليّ، اللهم لا تترك لنا همّا إلّا كشفته، ولا كربا إلا فرّجته، يا مجيب الدّعاء يا أرحم الرّاحمين.

انتبه المحاضر إلى شرود جمانة الذّهنيّ فسألها:

أين وصلتِ يا جمانة؟

انتفضت جمانة وكأنّها كانت في غفوة ذهنيّة وقالت:

نعم يا أستاذ.

- انتبهي يا ابنتي.

تعوّذت جمانة بالله من الشّيطان الرّجيم، وحوقلت بينها وبين نفسها، حاولت جمع شتات جسمها وتفكيرها المبعثر؛ لتنتبه لما يشرحه الأستاذ.

عندما انتهت الحصّة وبدأت الطالبات بالخروج من الفصل الدّراسيّ، جمعت جمانة بقايا جسدها المرهق، وخرجت متثاقلة، مشت في طريقها من كلّيّة البنات في دار الطّفل العربيّ عائدة إلى بيتها في حيّ الصّوّانة.

في طريقها إلى البيت كانت ترفع يدها وتحرّك شفتيها، وكأنّها في حوار مع نفسها، وقريبا من "الحسبة" ارتطمت بعامود كهرباء وكأنّها تحتضنه، تلقّت صدمة على جبينها، فأمسكت بها امرأة في منتصف العمر وقالت لها ضاحكة:

انتبهي لنفسك يا ابنتي " نصّ الألف خمسميّة"، بينما ضحكت امرأتان كانتا تسيران بصحبة تلك المرأة، وقالت إحداهما للأخرى:

يبدو أنّ هذه الفتاة مجنونة، فكيف لم ترَ عامود الكهرباء.

فردّت عليها رفيقتها:

إتّقي الله يا أمّ محمّد، كان الله في عون النّاس، فلكل إنسان همومه و"كل واحد زردته على قدر رقبته". ومظالم الاحتلال وضعت النّاس في حلقات متداخلة من المشاكل.

عندما ارتطم رأس جمانة بعامود الكهرباء أفاقت على نفسها، تماما مثلما المضبوع الذي يلحق الضّبع إلى جحره مختارا؛ ليكون فريسة له، وعندما يرتطم رأسه بسقف باب الجحر تنزل دماؤه، فيعود إلى رشده وينجو بنفسه.

مع أنّ الدّماء لم تنزل من رأس جمانة، لكنّ الصّدمة تركت انتفاخا على مقدّمة رأسها من الجهة اليمنى، تحسّست ذلك الانتفاخ وهي تبكي بصمت، ومع أنّ الدّنيا أظلمت في وجهها لثوان معدودة، إلّا أنّها أيقظتها من الأفكار التي تتضارب في دماغها، وابتسمت فجأة عندما تذكّرت الأستاذ محمّد الفايز الذي جاءها خاطبا وهي في الصّفّ السّابع، فصرف والدها الجاهة وهو يقول:

بنتي لا تزال طفلة، فهي لم تكمل عامها الثّالث عشر.

وفعل الشّيء نفسه مع المهندس رزق رجب عندما جاءها خاطبا بعد أن انهت الصّفّ التّاسع، وأثناء دراستها في المرحلة الثّانويّة طلب يدها أكثر من خمسة شباب كلّهم أنهوا دراستهم الجامعيّة، وبعضهم يشغل وظيفة لائقة، لكنّ والدها كان يردّهم دون أن يأخذ رأيها أو رأي والدتها أو رأي أيّ شخص آخر، بقوله أنّ ابنته لا تزال طفلة.

عندما ظهرت نتائج "التّوجيهي" وحصلت على معدّل علامات مرتفع " 94.8"تقدّم لها خاطب في بداية الثلاثينات من عمره، ويحمل شهادة الأستاذيّة "الدّكتوراة" في الآداب، ردّه والدها بقوله:

لن أزوّج أيّا من بناتي قبل أن تحصل على شهادتها الجامعيّة الأولى، فتعليم البنت حصن حصين لها، تذكّرت ذلك وضحكت، وهي تكبر بأبيها هذا الموقف الرّائع، فهذا الوالد الذي لم ينه مرحلة التّعليم الابتدائيّة بسبب النّكبة التي حلّت بالبلاد يعرف قيمة تعليم الأبناء، وموقفه هذا لم يطبّقه عليها وحدها، بل طبّقه على شقيقتيها الأصغر سنّا منها أيضا، فقد جاءهما هما الأخريان من يطلب يد كلّ منهما، لكنّ جواب الأب لم يتغيّر.

ضحكت جمانة ملء شدقيها عندما تذكّرت والدة "دكتور الآداب" التي زارتهم في بيتهم في محاولة منها لإقناع جمانة ووالدتها بقبول زواج جمانة من ابنها، فقالت لها جمانة:

يا خالتي بإمكان ابنك أن يجد عروسا خيرا منّي.

فردّت عليها: ابني يريد فتاة صغيرة ليربّيها على يديه!

فقالت لها جمانة ضاحكة:

وهل يعتبر ابنك "الدّكتور" الزّوجة خروفا يريد أن يسمّنه حتى يأتي يوم نحره؟

تذكّرت ذلك جمانة ودعت الله أن يبقى والدها على مواقفه السّابقة، لكنّ الأماني شيء والواقع شيئا آخر، فهذه المرّة بدا موقف أبيها مختلفا، وربّما يعود سبب ذلك؛ لأنّها قاربت على التّخرّج من الجامعة.

وعندما تذكّرت ما كانت تردّده والدتها بفخر أمام النّساء:

بناتي والحمد لله مطلوبات؛ لأنّهنّ مميّزات بجمالهنّ وأخلاقهنّ.

تذكّرت جمانة ذلك وتساءلت:

هل أنا جميلة حقّا كما تقول الوالدة، أم أنّ "القرد في عين أمّه غزال"؟

وهل جمال الفتاة نعمة أم نقمة عليها؟ وكيف يحكم الرّجال على النّساء بأنّهن جميلات أم لا؟ وهل ما قاله محمود درويش "كلّ النّساء جميلات" خيال شاعر أم حقيقة؟

في الواقع إنّ وصف جمانة بالجميلة يشعرها بسعادة داخليّة ويدغدغ أنوثتها التي ما زالت حبيسة، فهي كما بقيّة النّساء تحبّ الثّناء، لكنها تتظاهر بأنّ ذلك لا يعنيها؛ ليقينها الذي لا يتزعزع بأنّ الله حباها جمالا مميّزا.

عاد أبو جمانة من صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، دخل في صالون البيت، نادى زوجته بصوت مرتفع، عندما حضرت قال لها:

اسمعي يا لطيفة، المثل يقول:

"دوِّر لبنتك قبل ابنك"، اليوم التقيت الحاج عزّالدّين عمّ أسامة في المسجد الأقصى، جلس بجانبي تحت ظلال شجرة زيتون قريبا من باب الرّحمة، وسألني عن ردّنا على طلبتهم جمانة لأسامة ابن أخيه سعيد، وأضاف بأنّ لا وقت لدى العريس إذ إنّه سيسافر بعد غد إلى السّعودية حيث يعمل، فأجبته بأنّنا نتشرّف بمصاهرتهم، واتّفقنا أن يحضروا لبيتنا بعد صلاة العصر؛ لنتّفق على الخطبة، فجهّزي بنتك.

أمّ جمانة: هذا عين الصّواب، ونحن أدرى بمصلحة جمانة أكثر منها. و"ربنا يجيب اللي فيه الخير".

دخلت لطيفة غرفة نوم البنات لتزفّ الخبر لجمانة.

عندما أخبرتها بالموضوع، التفتت جمانة إليها ولم تتكلّم، أصابها وجوم كأنّ لسانها انعقد عن الكلام، اكتفت بعبرات سالت من عينيها على وجنتيها، فسّرتها الأمّ بأنّها دموع الفرح، فقالت:

مبارك عليك يا بنتي، وقومي "تمكيجي" ورتّبي حالك قبل أن يصل الخاطب ومن معه، وعادت إلى الصّالون حيث يجلس زوجها فقالت له وابتسامة عريضة تملأ وجهها:

الحمد لله، جمانة لم تعترض على ذلك يا عيسى.

تفاجأ الأب بما سمعه وسأل:

هل قالت لك يا لطيفة بأنّها موافقة؟

أجابت بثقة وهي تضحك:

"سكوت البنت علامة رضا وموافقة".

فرح الأب بما سمعه وقال:

الحمد لله الذي هداها إلى طريق الخير.

بعد صلاة العصر حضر إلى بيت أبي جمانة كلّ من إمام المسجد المجاور، وأسامة، واثنان من إخوته، وأخته الكبيرة، ووالداه، وعمّه الحاج عزّالدّين.

دخلت النّساء إلى الصّالة بعيدا عن صالون البيت حيث يجلس الرّجال، كانت أمّ أسامة تحمل على رأسها صينيّة كنافة، وقفت أمّ جمانة وابنتها تغريد في استقبالهنّ. مسحت أمّ أسامة بمنديلها العرق المتصبّب من جبينها، وسألت:

أين الغالية؟ -تقصد جمانة-.

أمّ جمانة: البنت ترتّب نفسها وستأتي بعد لحظات.

استمعت جمانة للحديث، مسحت دموعها، ارتدت جلبابها وحجابها وخرجت إليهنّ، ضمّتها أمّ أسامة إلى صدرها وقبّلتها وهي تبسمل وتحمدل، تبادلت القبل مع أسمهان شقيقة أسامة الكبرى، ولم تنطق بأيّ كلمة.

جلست بين والدتها وحماة المستقبل.

في صالون البيت سأل أبو أسامة أبا جمانة:

كم تريد مهرا لابنتك يا عيسى؟

أبو جمانة: أريد السّتر يا سعيد.

إمام المسجد باسما: ربنّا يستر على الجميع لكنّ المهر حقّ واجب للعروس.

أبو جمانة: حيّاكم الله، ليكن مهر جمانة مثل مهر بناتك يا سعيد.

أبو أسامة: المهر المعجّل لكلّ واحدة من بناتي 300 غرام ذهب، والمؤجّل عشرة آلاف دينار.

سكت أبو جمانة للحظة وقال:

مهر جمانة المعجّل 250 غرام ذهب، والمؤجّل خمسة آلاف دينار أردنيّ، والرّسول عليه السّلام يقول:"أقلّهنّ مهرا أكثرهنّ بركة".

الحاجّ عزّالدّين: جزاك الله خيرا يا أبا جمانة، ابن أخي أسامة العريس، سيسافر بعد غد إلى السّعودية، دعونا نقرأ الفاتحة الآن، ونعقد عقد الزّواج، وغدا سنشتري المصاغ وكسوة للعروس، وسنعلن الخطبة بعد عصر غد.

والزّواج سيكون بإذن الله في عطلة المدارس الصّيفيّة بعد حوالي خمسة أشهر.

قرأوا الفاتحة وعقد إمام المسجد عقد الزّواج، فانطلقت الزّغاريد من أمّ أسامة وأمّ جمانة.

انصرف الحضور باستثناء أسامة ووالدته قبل صلاة المغرب بقليل، عندها دخلت النّساء إلى الصّالون، باركن للعريس، أجلسن جمانة بجانب أسامة.

بعد صلاة المغرب قالت أمّ أسامة دعونا نترك العروسين مع بعضهما؛ ليتحدّثا ويتعارفا، فلبّوا طلبها، أغلقت أمّ أسامة باب الصّالون خلفها، التفت أسامة إلى جمانة وقال على استحياء:

هل تعلمين أنّك الآن زوجتي؟

طأطأت رأسها حياء ولم تقل شيئا.

عاد يسألها: هل تعلمين أنّ الزّوج يقبّل زوجته؟

فطأطأت رأسها مرّة أخرى ولم تنبس ببنت شفة. وضع يده على رقبتها وطلب منها أن تقبّله، فلم تلتلفت إليه، أدار وجهها إليه وقال لها:

ما أجملك! سبحان الخالق الذي خلق فسوّى، ثم قال وهو يهوي بشفتيه على شفتيها:

هاتان الشّفتان حان قطافهما.

شعرت باختناق وهو يطبق بشفتيه على شفتيها، شعر ذقنه الطويل يغطي عنقها، يده اليمنى تحيط برقبتها، مدّ يده اليسرى إلى صدرها فردّته بيدها اليمنى وهي تلهث خائفة.

كان متوتّرا أطلق شفتيها للحظات وسألها وهو يلهث:

لماذا لا تقبّلينني كما أقبّلك، فالقبلة حقّ للزّوجين؟

لم يجد عندها جوابا، فعاد يطبق بشفتيه على شفتيها، نظرت إلى وجهه باستغراب، شعرت بقلق بالغ، حزنت على نفسها، ولم تستوعب طريقة تعامله معها، حاول أن ينزّل حجابها وهو يقول:

دعيني أرى شعرك.

لكنّها صدّته قائلة: لن ترى شعري قبل زفافنا.

فردّ عليها بصوت منخفض وغاضب:

أنت الآن زوجتي.

قالت مستاءة: لن أكون زوجتك قبل حفل الزّفاف، وإشهار هذا الزّواج.

وقفت في محاولة منها للهروب منه، لكنّه أمسكها من ذراعها وضمّها إلى صدره بقوّة، وعاد يطبق على شفتيها بشفتيه، وقال لها:

سأكون سعيدا جدا بك، فجمال وجهك يأسرني، وقامتك أقصر من قامتي ببضعة سنتيمترات، وهذا يعني أنّني سأحني رأسي قليلا عندما أقبّلك، وهنا سمعا طرقا خفيفا على باب الصالون، فأسرع كلّ منهما إلى مقعده، وعندما تكرّر طرق الباب قام بفتحه قليلا وإذا بوالدته أمامه تقول باسمة:

جئتكما بفنجاني قهوة، أمسك الصّينيّة من يد أمّه التي قالت له ضاحكة:

إهنأ بعروسك فلن يطرق بابك أحد.

قدّم فنجان قهوة لجمانة وهو يقول:

تفضّلي يا سيّدة الجمال.

فردّت عليه عابسة:

أنا لا أشرب القهوة.

فعاد يسألها: هل تشعرين بغربة وأنت معي وحيدة في غرفة مغلقة؟

فردّت عليه بجرأة: طبعا، فأنا لا أعرفك ولم أعتد عليكَ.

رشف قليلا من فنجان القهوة وسألها:

وهل تعرفين غيري ومعتادة عليه؟

نظرت إليه نظرة احتقار وسألت وهي تقف في محاولة منها للخروج:

هل تطعنني بشرفي من الآن يا....؟ ولم تكمل، بينما انهارت الدّموع من عينيها.

ابتسم وهو يقول: أعوذ بالله، لكنّني أستفزّك كي تجلسي في حضني!

أدارت وجهها عنه وانتقلت لتجلس قبالته، فلحق بها وهو يقول:

لا تنسي أنّك زوجتي على سنّة الله ورسوله.

فردّت عليه غاضبة: لن أكون زوجتك قبل حفل الزّفاف.

وعاد يسأل: هل أفهم من كلامك أنّك لم تحبّيني؟

ردّت عليه باستخفاف: كيف أحبّك وأنا لا أعرفك؟

- قلت لك أنّك الآن زوجتي، فقد عقدنا زواجنا قبل قليل.

فردّت غاضبة: وقلت لك أنّ زواجنا لن يتمّ إلا بعد حفل الزّفاف.

فكّر قليلا وقال: معكِ حقّ فالحبّ يقع بالمعاشرة الطّيبة، وأنا واثق بأنّ ستحبّينني "عندما تتذوقين عسيلتي وأتذوّق عسيلتك،" فهكذا قال أساتذتنا الأوائل من علماء الدّين!

فسألته ساخرة: وهل أباح لك أساتذتنا الأوائل أن تغلق عليّ الباب، وتغتصب القبلات منّي؟

شعر بنوع من عذاب الضّمير وقال:

لا سمح الله أن أغتصبك ولو بقبلة، لكنّني أخذت جزءا من حقّي عليك، وأعلم أنّك تتحلّين بحياء العذارى، فأردت كسر الحواجز بيني وبينكِ.

نظرت إليه بازدراء ولم تقل شيئا.

عندما حلّ وقت صلاة العشاء وجدتها فرصة للهروب منه فقالت له:

سأجلب لك سجّادة صلاة لتصلي، وأستأذنك أنا لأؤدي الصّلاة.

ردّ عليها: صلاة العشاء وقتها حتى قبيل صلاة الفجر بقليل. وأنا لن أصلي قبل الاستحمام لأنّني لم أعد على طهارة.

لم تفهم عليه ما قاله، ولم تشأ الاستمرار في الحديث معه، وقالت:

أنا ذاهبة لأصلّي.

عندما مرّت بالنّساء سألتها أمّ أسامة:

لماذا لم تبقي مع عريسك يا حبيبتي؟

نظرت جمانة إليها باستغراب وقالت:

أريد أن أصلّي، وطلبت من أبيها أن يذهب لمجالسة أسامة، لكنّ أمّ أسامة تساءلت قائلة بلهجة استنكار:

وهل هذا وقت الصّلاة الآن؟

لم تلتفت جمانة إليها وتجاهلت سؤالها، دخلت غرفتها، أغلقت الباب خلفها، ألقت نفسها على السّرير، وانهارت باكية، ضاقت عليها الدنّيا رغم اتّساعها، أخذت تتحسّس شفتيها، لم تشعر بأيّ لذّة أو متعة من القبلات التي قصفها بها أسامة، ذهبت إلى المغسلة وغسلت شفتيها بالماء والصّابون، تخيّلت ذقن أسامة كحبل مشنقة يشتدّ على رقبتها، اشمأزّت من أنفاسه ورأتها عبئا عليها، لامت نفسها أكثر من مرّة لعدم وقوفها بصرامة ضدّ موقف أبيها بخصوص الزّواج من أسامة، وبّخت نفسها؛ لأنّها قبلت أن تبقى معه على انفراد في صالون البيت، لم تقتنع بحجج أبيها وحجج إمام المسجد بالاستعجال بعقد القران؛ كي يتمكنّ الخاطبان من مصافحة بعضهما، والجلوس على انفراد. رأت أنّ أسامة استغل عقد الزّواج؛ وتعامل معها كما يتعامل الزّوجان، بل إنّه تعامل معها كدمية يمتلكها، وهذا خلاف رغبتها وخلاف مبادئها والتّربية التي نشأت عليها. أمضت ليلتها تحلّق في فضاء تحلم به، بعد أن وجدت نفسها مغلوبة على أمرها في صحراء قاحلة، لعنت اليوم الذي ولدت فيه كأنثى في بلاد لا تحترم إنسانيّتها، رأت قمرها يختبئ خلف غيوم سوداء متراكمة، كما رأت جمالها لعنة عليها، حيث جلب لها الخاطبين متتابعين قبل أن تعرف ماهيّة الزّواج.

في الجانب الآخر سيطر الأرق على أسامة، فقد كان متهيّجا معتدّا بفحولته، أمضى ليلته يتقلّب في كنبة طويلة في صالون البيت، لم يشعربتأنيب ضمير لأنّه اغتصب القبلات من شفتي جمانة، فهي زوجته منذ اللحظة الأولى لعقد قرانه عليها! استعاد في ذاكرته بعض النّصوص الدّينيّة، التي تبيح له التّعامل مع زوجته، شعر بالرّضا عن الذّات وهو يسترجع الآية الكريمة:" نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ."، وأنّ القبلة بين الزّوج وزوجته هي رسول العلاقة بينهما، لكنّه تساءل عن سبب عدم استسلامها للقبلة التي فرضها عليها دون مقدّمات، فوجد لنفسه عذرا؛ لأنّ طبيعة النّساء"يتمنّعن وهنّ راغبات"! كما أنّه لا يمكن تجاهل حياء العذارى، وبالتّأكيد فإنّ تمنّع جمانة دليل على عذريتها وأنّها لم تعرف رجلا قبله.

بقي يرسم صورة لجمانة في خياله، فخدودها بيضاء تعلوها حمرة كما التّفّاح، عيناها فيهما زرقة سماء صافية، شفتاها لذيذة كقطعة حلوى شهيّة، أسنانها كعقد اللؤلؤ الطّبيعيّ، أنفاسها تبعث الدّفء في القلب، غرّاء فرعاء، نحيلة الخصر بلا اعوجاج، تمشي بدلال كزهرة يهبّ عليها نسيم عليل، صوتها مغناج دون تصنّع. أنفها مستقيم كمنقار حمامة برّيّة.

تقلّب في فراشه يلوم نفسه لعدم خطبتها والزّواج منها منذ بداية إجازته البالغة ثلاثة أسابيع، ولو فعل ذلك لكان اصطحبها معه إلى عمله في السعودية؛ لتكون خليلته ومؤنسة وحدته، لم يضع اللوم على نفسه وحده، بل حمّل مسؤوليّة ذلك لوالدته وشقيقاته، فقد كلّفهنّ أن يبحثن له عن عروس وهو في عمله في السعودية، صحيح أنّه رأى جمانة مرّات عديدة للحظات قبل اغترابه، لكنّها كانت طفلة وقتذاك، ولم تلفت انتباهه، بل إنّها لم تخطر له على بال لتكون زوجة له.

بعد منتصف تلك الليلة استعاذ بالله من الشّيطان الرّجيم، بسمل وحمدل، على أمل أن ينام ساعتين أو ثلاث قبل صلاة الفجر، لكنّه لم يستطع فقد بقيت جمانه تسيطر على عقله وقلبه، صلّى الفجر ودعا الله بأن يهديه إلى ما فيه خير له، لكنّه لم يغف إلا بعد صلاة الفجر بساعة، وهذا مخالف لما اعتاد عليه.

عندما غفا مرّت به والدته بعد أن أعدّت قهوة الصّباح، أرادت أن تحتسي فنجانها بصحبة أسامة وأبيه، عندما وجدت أسامة غافيا قالت بصوت مسموع:

ليأخذ الله من أخذت عقلك يا ابني.

واستدارت لتعود من حيث أتت، غير أنّ أسامة استيقظ عند سماعه صوتها، فسأل:

خيرا يا أمّي، من هي التي تدعين الله ليأخذها؟

ابتسمت وعادت إليه، جلست على كنبة خلف رأسه بعد أن وضعت فنجان قهوة بجانبه، ابتسمت وقالت:

هل أنت نائم أم مستيقظ؟

- كنت نائما واستيقظت.

- اسمع يا ابني، الإرهاق باد عليك، يبدو أنّك أمضيت ليلتك تفكّر بتلك الملعونة، فلا تغترّ بها، وإيّاك أن تدلّلها فتطمع بك.

حوقل أسامة وسأل:

من تقصدين يا أمّي؟

تنهدّت وقالت: العروس التي كتبت كتابك عليها. لا تغترّ بها.

وهنا دخلت أسمهان شقيقة أسامة وقالت بعد أن سمعت كلام والدتها:

وحّدي الله يا أمّي، والله جمانة حلوة ومرتّبة وخلوقة.

غمزت أمّ أسامة ابنتها التي جلست قبالتها بعينها وقالت:

من أين أتاها الجمال؟ هكذا نساء "من برّه رخام ومن جوّه سخام".

استند أسامة وجلس، التفت إلى أمّه عابسا وسألها:

إذا كانت غير مناسبة، فلماذا اخترتِها عروسا لي؟

فردّت الأمّ: أنت من تقرّر إن كانت مناسبة أو لا، بعد أن تجرّبها وتختبرها.

وهنا دخل أبو أسامة وققال لزوجته:

"اللي فيه عاده ما بخلّيها" اتركيك من هذا الكلام الفارغ يا فاطمة.

وهنا تدخّلت أسمهان وقالت:

والله جمانة حلوة وذكيّة ومستورة وما شاء الله عليها.

فردّت عليها أمّها ساخرة: حلوة مثلك!

فقال أبو أسامة غاضبا: أحلى منك ومن قريباتك.

غضبت أمّ أسامة وقالت:

الحق عليّ لأنّني كنت أنجب لك كل عام ابنا يحمل اسمك، ومع ذلك لا أزال أجمل منها ومن أمّها ومن كلّ قريباتها.

تساءل أسامة حائرا: ما الدّاعي لهذا الكلام يا جماعة؟

ردّ عليه أبوه: هذه عادة أمّك "لا يعجبها العجب ولا الصّيام في رجب." وغيرتها لا حدود لها.

قالت أسمهان: لا داعي لهذا الكلام، واليوم الخطبة، وأسامة سيسافر غدا، وهداك الله يا أمّي.

وهنا همّت أمّ أسامة بمغادرة الجلسة وهي تقول لزوجها:

ما دام كلامي لا يعجبك، فلن أتدخّل في شيء.

فردّ عليها: تستريحين وتريحين غيرك.

التفت إليها أسامة وقال لها:

اسمعيني يا أمّي، إذا كانت جمانة لا تعجبك، فلن تكون لي زوجة، وسأطلّقها هذا اليوم قبل أن أسافر غدا!

التفت إليه أبوه وسأله:

ماذا جرى لك يا ولد؟ هل جننت؟ لم تتزوّج حتّى تطلّق.

قالت أسمهان لأمّها: هيّا بنا يا أمّي لنذهب إلى المطبخ، كي نعدّ وجبة الفطور.

في المطبخ قالت أمّ أسامة لابنتها:

اسمعي يا أسمهان، لا تكوني غبيّة، أنا مع زواج أسامة من جمانة، لكن من غير المعقول أن يقتنع هو وأبوه أنّ هناك نساء أجمل منّا.

ضحكتّ أسمهان وقالت:

هداك الله يا أمّي، فأسمهان مثل ابنتك، وأبي ينظر لها كابنته أيضا، وجمالها من حظّ ابنك أسامة.

في بيت أبي جمانة جلست الأسرة في ساعات الصّباح فقالت الأمّ:

الحمد لله جمانة لقيت نصيبها، ونسأل الله التّوفيق، والعقبى للبقيّة.

قال الأب: أسامة شابّ ذو علم ودين، ومن يخاف الله لا تخف منه، ومن حسنات مصاهرته أنّه سيصطحب جمانة معه إلى مكان عمله في إمارة السعودية، وهناك ستكون بعيدة عن أمّه، وستستطيع هي الأخرى أن تعمل في التّدريس هناك.

ابتسمت تغريد وقالت لجمانة مازحة:

هنيئا لك فأسامة شابّ وسيم، وأمّه امرأة فاضلة، ثمّ ضحكت وهي تقول:

وما شاء الله على ذقنه!

ابتسم الجميع بينما ازدادت جمانة عبوسا وقالت لتغريد:

أسكتي أحسن لك.

فردّت عليها تغريد ضاحكة:

وإن لم أسكت؟

- عندها ستنالين صفعة على وجهك.

- ابتعدت تغريد عن مرمى ذراع جمانة وقالت مازحة:

- إن ضربتِني سأشكوك لأسامة.

قال الأب لا داعي لمل هذا المزاح يا بنات. وقال لزوجته:

جهّزي ابنتك يا لطيفة فبعد قليل سيأتون لاصطحابها إلى القدس لشراء مصاغها.

ذهبت جمانة إلى غرفتها، غسلت وجهها، لم تضع أيّ "مكياج"، ارتدت جلبابا أسود، ووضعت حجابها الأسود، وعادت تجلس معهم، أمسكت أمّها يدها وقادتها إلى الغرفة وقالت لها بلهجة آمرة:

استحمّي، وضعي "مكياجا" وأحمر شفاه، ورشّي قليلا من العطر، ارتدي جلبابا ملوّنا، وضعي حجابا زهريّا يليق بك كعروس.

التفتت إليها جمانة وقالت:

أنا راضية عن نفسي كما أنا، ومن لا يرضيه ذلك فليشرب من ماء البحر الميّت.

الأمّ ممقوتة: لا حول ولا قوّة إلا بالله.

في العاشرة صباحا وصل أسامة وشقيقته أسمهان بيت أبي جمانة، كي يصطحبانها لشراء المصاغ الذّهبيّ، سألتهم أمّ جمانة:

أين أمّ أسامة؟

بلعت أسمهان ريقها وقالت:

أصبحت مصابة بمغص وارتفاع بدرجة الحرارة.

- سلامتها.

أسمهان: هل أنتنّ جاهزات؟

أمّ جمانة: نعم، سأذهب أنا وجمانة معكما.

انفرد أبو جمانة بزوجته وابنته وقال لهما:

كما أوصيتكما، إيّاكما أن تشتريا أكثر من 250 غرام ذهب، واحرصن أن يكون الوزن أقلّ من ذلك.

لم تعترض جمانة على شيء، ولم توافق صراحة على شيء، هي مستسلمة لقدرها، وكأنّها ما عادت تعرف ما ينفعها أو يضرّها.

قالت أسمهان لشقيقها أسامة:

اجلس أنت وعروسك في المقعد الخلفيّ للسّيّارة، وستجلس أمّ جمانة بجانبي.

فتح أسامة باب السّيّارة الخلفيّ وقال لجمانة:

تفضّلي.

دخلت وأراد الالتحاق بها مباشرة، فالتفتت إليه وقالت:

أدخل من الجانب الآخر.

مدّ ساقه اليمنى لتلامس ركبته فخذ جمانة التي التصقت بباب السّيّارة كعصفور يحتمي بحائط من مطر شديد، مدّ يده اليمنى لتلامس رقبة جمانة، لكنّها رفعت رأسها إلى الأمام كي لا تلامس يده.

ركنوا السّيّارة في موقف المصرارة قريبا من باب العمود، قالت أسمهان لشقيقها أسامة:

سأسير ولطيفة -أم جمانة- أمامكما، فاتبعانا إلى سوق العطّارين لنشتري المصاغ الذّهبيّ.

اقترب أسامة من جمانة وهمس لها:

لماذا لم تضعي نقابا؟

التفتت إليه متفاجئة وسألت:

لِمَ النّقاب؟

- هذا شرع الله.

عند باب العمود أوقفت شرطة الإحتلال أسامة؛ لتفتيشه وفحص بطاقة هويّته، فاستغلّت جمانة الفرصة وأسرعت لتلحق بوالدتها وشقيقته، لحق بها مسرعا، التصقت بأمّها، فالتفتت إليها وقالت:

امشي بجانب خطيبك.

لم يكن هناك مجال للحديث المشترك بينهما، فمن الصّعب على اثنين أن يسيرا كتفا على كتف في أسواق القدس القديمة، بسبب اكتظاظ الأسواق بالمارّة والسّيّاح، والمتسوّقين، والسّائرين إلى المسجد الأقصى للصّلاة.

احتار أسامة فيما يفعله، فهو على شوق للحديث معها، ومنّى نفسه بأن يقترب رأسه من رأسها، كي تلفح أنفاسها وجهه، لكنّ ذلك لم يحصل.

في محلّ الصّياغة قدّم الصّائغ كرسيّين لأسمهان ولطيفة، وطلب من العروسين أن يتقدّما ليختارا ما يحلو لهما. لكنّ جمانة جلست على الكرسيّ وقالت لأمّها:

اختاري أنت.

نظرت جمانة إلى القطع الذّهبيّة التي عرضها الصّائغ على "الفاترينا" الزّجاجيّة في علب تضفي رونقا على محتوياتها، مدّت يدها لخاتم الخطوبة، قاسته في بنصر يدها اليمنى، فجاء مناسبا، كما اختارت بشكل سريع سلسالا ذهبيّا مع إسورة وزوج حلق خفيفة الوزن مرفقة به، وقالت:

هذا يكفي.

بلغ وزن ما اختارته 183 غراما، وعادت تقول:

هذا يكفي.

نظرت إليها والدتها تحثّها على تكملة حقّها في المهر المعجّل وهو 250 غراما، لكنّها رفضت. قدّم الصّائغ خاتم فضّة هديّة لأسامة.

عندما خرجوا من محلّ الصّياغة قال أسامة:

أريد أن ألحق صلاة الظّهر في المسجد الأقصى، لأكسب الوقت، كي نشهر الخطوبة بعد صلاة العصر كما اتّفقنا، نظرت إليه شقيقته أسمهان وعضّت على شفتها السّفلى، فلم يفهم عليها شيئا، اقتربت منه وهمست له:

دعنا نشتري فستان خطوبة للعروس، ولا تنس أنّ العريس في هكذا مناسبة يدعو العروس ومن معها لوجبة غداء في مطعم.

فقال لها: اشتري لها فستان الخطوبة، لا داعي للغداء، فأنا ذاهب للمسجد الأقصى فقد أدركنا وقت صلاة الظّهر.

واستدار في طريقه مسرعا إلى باب السّلسلة الذي يفضي إلى الأقصى.

فقالت أسمهان تبرّر تصرّف شقيقها:

أسامة –حفظه الله- حريص على الصّلوات في مواقيتها، ويريد استغلال وجوده في القدس للصّلاة في الأقصى طمعا في الثّواب العظيم.

فقالت أمّ جمانة: وفّقه الله وحفظه وتقبّل صلاته.

بينما لم تتكلّم جمانة شيئا.

اشترين فستان خطوبة من محلّ مختصّ بأزياء العرائس في شارع صلاح الدّين، الممتدّ من باب السّاهرة، وهناك عرضت أسمهان على جمانة ووالدتها أن يذهبن إلى صالون تجميل، لتسريح الشّعْر، وعمل "المكياج" استعدادا للخطبة، لكنّ جمانة رفضت قائلة:

شعري ناعم كما خلقه الله، ولا يحتاج إلى تسريح، لا داعي "للمكياج" لأنّه يزول بالوضوء للصّلاة، والإنسان جميل - كما خلقه الله- ولا داعي للتّزييف.

لم تستطع أسمهان إقناع جمانة بالذّهاب إلى صالون التّجميل، فاضطرت لإعادتها وأمّها إلى بيتهما، وأسرعت لاصطحاب والدتها وشقيقاتها إلى صالون تجميل.

اقتصر حفل الخطوبة على أهل العروسين، وبعض جارات العروس، فالوقت ضيّق، ولا داعي لتبذير الأموال في استئجار قاعة، جلس الرّجال بجانب بيت أبي جمانة على كراسي بلاستيكيّة تحت الأشجار، فالجوّ معتدل، في حين جرى ترتيب "لوج" في صالون البيت ليرتفع العروسان قليلا عن مستوى الأرض.

ارتدت جمانة فستان الخطوبة، خلعت حجابها فلن يراها رجل غير العريس، شعرها الحريريّ ينسدل على جانبي صدرها، وضعت قليلا من الكحل في عينيها تحت إلحاح والدتها، في حين أصرّت شقيقتها تغريد أن تضع لها خطّا من أحمر الشّفاه، ورشّت على رقبتها قليلا من العطور الهادئة.

عندما دخل أسامة لتلبيس العروس خاتم الخطوبة، ذهل من جمال جمانة، وقف قليلا عند باب الصّالون يتأمّلها، فهذه هي المرّة الأولى التي يراها فيها دون حجاب، رأى شعرها ناعما كموج البحر في يوم دافئ. جلس بجانبها وسط ترحيب الحاضرات، اقتربت منه والدته تحمل صينيّة نحاسيّة عليها خاتم الخطوبة والمصاغ، مدّت جمانة يدها إليه؛ ليضع الخاتم في بنصر يدها اليمنى، كانت يداه ترتجفان حياء، أعطت والدته الخاتم الفضّي لجمانة وهي تقول:

ضعي الخاتم في يد عريسك، مدّ أسامة يده ووضعها على فخذ جمانة، رفعت يده اليمنى بيدها اليسرى، ووضعت الخاتم في إصبعه وسط الزّغاريد التي ملأت فضاء المكان.

أشعلت أسمهان المسجّل على أغنية "دبلة الخطوبة" للمطربة شادية:

يا دبلة الخطوبه عقبالنا كلنا

ونبني طوبه طوبه فى عش حبنا

نتهنا بالخطوبه ونقول من قلبنا

يا دبلة الخطوبه

يا صوره فى الخيال ما تغبش عننا

بداية الآمال وعز فرحنا

شبكنا بدلته وقرينا فاتحته

وعرفنا نيته وغلاوته عندنا

يا دبلة الخطوبه

يا دبله من دهب قوليلي ايه مكتوب

دا الاسم بالدهب منقوش عالقلوب

القلب وانشبك وراح مع الشبك

ولقينا فى الشبك نصيبنا وفرحنا

وفي دبلة الخطوبه كتبنا اسمنا

يا دبلة الخطوبه

نظر أسامة إلى شقيقته أسمهان نظرة غضب، لكنّها لم تكترث به، أشار لأمّه أن تأتي إليه، فنزل من على المنصّة، وأمسك المسجّل من يد أسمهان وهو يحوقل ويقول:

هذا حرام ...هذا حرام.

ثمّ خاطب النّساء بقوله:

هذا الرّقص والغناء حرام، هل يتزوّج المرء ليستر نفسه أم ليدخل النّار؟

وهؤلاء النّساء الكاسيات العاريات لا يخفن الله عندما يبدين زينتهنّ أمامي.

وقفت أمامه شقيقته أسمهان وقالت:

هداك الله يا أخي، فهنّ يغنّين ويرقصن فرحا بخطوبتك، ولا داعي للمشاكل. أبعد يدها عنه بقوّة وقال:

غنّين كما تشأن، فأنا خارج عند الرّجال، ولن أعود إلا بعد انصراف غير المحارم.

شعرت جمانة بالحرج، صكّت على أسنانها غضبا ولم تتكلم، لكنّها نزلت عن المنصّة، حاولت أن تذهب لغرفة النّوم؛ لتواري دموعها، لكنّ شقيقتها تغريد، أمسكت بها وأجلستها.

حاولت الجارات أن ينصرفن وهنّ يشعرن بأسى وقلّة الاحترام، لكنّ أمّ أسامة وأمّ جمانة أمسكتا بهنّ وهنّ يقلن:

لا تؤاخذننا يا أخواتنا، فالعريس متديّن، وهذا ما تعلّمه أثناء دراسته للشّريعة، وعند زواجه سنقيم له حفل زفاف إسلاميّا. والآن بإمكانكنّ أن تغنّين وترقصن كما تشأن، بعضهن استوعب ما حدث، وبعضهنّ خرجن ولم يقبلن الاعتذار.

بارك الرّجال لأسامة بالخطوبة، انتبه عمّه الحاج عزّالدّين لعبوسه والكشرة التي تعلو وجهه، فسأله:

ما بك يا أسامة؟ هل أغضبك أحد؟

- نعم غضبت لله.

- وهل هناك من انتهك حرمات الله يا رجل؟

وقف أسامة، بسمل وحمدل وقال:

أمّا بعد، فقد جاء على موقع الشّيخ القرضاويّ – حفظه الله- عن الرّقص:

" لا نجد أي حرج شرعيّ في الرّقصات الشّعبيّة المشهورة المتوارثة في الأقطار العربيّة والإسلاميّة المختلفة، والتي يمارسها النّاس في المناسبات السّارة مثل الأعياد الدّينيّة، والذّكريات القوميّة، والأفراح الشّعبيّة، كما في رقصات العرضة والرّقص بالسّيف في بلاد الخليج، ورقصات (الدّبكة) في فلسطين وبلاد الشّام بصفة عامّة، ومثل التّحطيب واللعب بالعصا في مصر. وفي كلّ بلد نجد ألوانا من الرّقص الشّعبيّ المعبّر عن الفرحة والابتهاج، ليس فيه تكسّر ولا تخنّث، ولا يعمد إلى أيّ نوع من أنواع الإثارة. ومثل هذا لا ينكر شرعا.

وممّا يدخل في هذا: رقص النّساء في الأعراس، بعضهنّ مع بعض، مجاملة للعروس، إذا لم يشتمل على منكر آخر يقارفه."

ولكن الحرج يتأتّى إذا تمّ ذلك في حضور الرّجال الذين ليسوا بمحارم لهؤلاء النّساء، ولا يحلّ لهم الاطّلاع على ما أمر الله بستره من زينتهنّ، كما قال تعالى: "وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

قطع أبوه حديثه قائلا:

ماذا جرى لك يا ولد؟ اترك النّساء يغنّين ويرقصن فرحا بخطبتك.

لكنّ أسامة واصل حديثه بلهجة حازمة:

هداك الله يا أبي، فالسّاكت عن الحقّ شيطان أخرس، فالشّيخ ابن عثيمين-رحمه الله- قال في الرّقص:

" وأمّا الرّقص من النّساء فهو قبيح لا نفتي بجوازه لما بلغنا من الأحداث التي تقع بين النّساء بسببه، وأمّا إن كان من الرّجال فهو أقبح، وهو من تشبّه الرّجال بالنّساء، ولا يخفى ما فيه، وأما إن كان بين الرّجال والنّساء مختلطين كما يفعله بعض السّفهاء: فهو أعظم وأقبح لما فيه من الاختلاط والفتنة العظيمة، لا سيما وأنّ المناسبة مناسبة نكاح ونشوة عرس."

وهنا وقف الأستاذ عبد المعطي وقال:

هناك اجتهادات مختلفة حول الموضوع، وديننا يسر لا عسر، وهناك من اجتهد وقال بعدم تحريمه كالشّيخ الشّعراوي حيث يقول:

" إنّ الغناء في حدّ ذاته ليس محرّما، إنّما المحرّم هو كلّ شيء يخرج الإنسان عن صمت اعتداله ووقاره يكون حراما، سواء أكان نصّا بغير لحن أو لحنا بغير أداء أو أداء مصحوبا بما لا دخل له في الغناء."

انفضّت جلسة الرّجال دون اتّفاق، وبقي أسامة ووالده، كما انفضّت جلسة النّساء، وبقيت أمّ أسامة وشقيقته أسمهان، التقوا جميعهم في صالون البيت، جلس أسامة بجانب جمانة. عاد أسامة يتحدّث عن الحلال والحرام في الاختلاط والغناء والرّقص، فقال له أبوه:

دعنا من هذا الكلام، لقد انتهى حفلنا المتواضع، وعند الزّواج سنقيم حفل زواج إسلاميّ، وهناك فرق إنشاد دينيّة تحيي هكذا احتفالات، والتفت إلى جمانة وسألها:

أليس كذلك يا بنيّتي؟

فردّت عليه باستحياء:

"ربنا يجيب اللي فيه الخير."

أمّا أبو جمانة فقد قال:

الدّنيا آخر وقت، ومن كثرة الفتاوي لم يعد المرء يعرف الصّواب من الخطأ.

بعد صلاة العشاء، غادر أسامة ووالداه وشقيقته الجلسة، استعدادا لسفر أسامة صباح اليوم التّالي، همس أسامة لجمانة قائلا:

سأهاتفك مساء كلّ يوم جمعة، أوصيك بتقوى الله، والحفاظ على نفسك.

ردّت جمانة على استحياء:

مع السّلامة.

ما إن خرجوا حتّى أسرعت جمانة إلى غرفتها، تمدّدت على سريرها، استعادت شيئا من طفولتها، ابتسمت عندما تذكّرت ما كانت تقوله المرحومة جدّتها لأبيها، فقد كانت تتمنّى لو أنّ الله خلق جمانة ولدا ذكرا؛ لتكون عونا لأبيها على متاعب الحياة، وقتئذ كانت تغضب من جدّتها، لكنّها الآن أصبحت تتمنّى لو أنّ الله استجاب لدعوات جدّتها، وولدت ذكرا بدل الأنثى، صحيح أنّها فخورة بأنوثتها، ومؤمنة بأنّ الله يهب الإناث لمن يشاء ويهب والذّكور لمن يشاء، لكنّ هذا المجتمع لا يرحم الأنثى في مراحل عمرها المختلفة، لكنّها ما لبثت أن ابتعدت عن هذه الوساوس؛ لأنّها لن تتحقّق حتما. حمدت الله بأن حباها والدين صالحين، يرعيانها ويرعيان شقيقاتها قدر استطاعتهما وقدراتهما، ووالدها أب فاضل راض بما قسمه الله له، حريص على تعليم بناته، يعمل ويشقى في سبيل توفير احتياجاتهنّ كلّها، وهي تعي تماما أنّ موافقته على خطبتها من أسامة هي لصالحها حسب قناعاته؛ لذا فإنّها لم تعترض عندما رأت أنّه حسم قراره بالموافقة، عزّت نفسها بقوله تعالى:" وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ." أو كما يقولون"الخِيرة فيما اختاره الله." وتساءلت إن كان الزّواج "قسمة ونصيب" كما يقولون، لكنّها بعد عقد قرانها أصبحت زوجة لأسامة، وسترضى بذلك.

أمّا والدتها فقالت لأبي جمانة:

هل تعلم أنّ القرب من أمّ أسامة لعنة؟

أبو جمانة: خيرا...ماذا فعلت؟

- إذا انتبهت لها فقد كانت تقفز من مكان إلى مكان وكأنّها فتاة مراهقة، تستعرض نفسها أمام النّساء بطريقة غير لائقة، حتّى إنّ ابنتها أسمهان همست لها بأن تحترم المكان والمناسبة.

- الله يهديها.

- الهداية بعيدة عنها، تصوّر أنّها كانت تنظر لبناتنا نظرات حسد وغيرة، وركّزت نظرها على جمانة أكثر من مرّة، وكانت تهمس لابنتها بكلمات غير مؤدّبة، حتّى أنني سمعتها تقول لها:

انظري إليها، إنّها فائقة الجمال بدون تجميل.

فردّت عليها ابنتها همسا:

الحمد لله إنّها من نصيب أسامة.

وعادت أمّ أسامة تقول:

المرأة الجميلة مثل جمانة"لهلوبة" ستهلك أسامة وستدمّر صحّته.

غضبت منها ابنتها ولم تستطع إسكاتها، فابتعدت عنها.

ابتسم أبو أسامة وقال:

كان الله في عون زوجها، يبدو أنّه "خربان!"

أمّ جمانة: أخشى أنّها ستخلق مشاكل كثيرة لجمانة بعد الزّواج.

أبو جمانة: كلّنا نعرف أنّها امرأة شرّيرة، غيورة وحسودة، لكنّ جمانة ستكون بعيدة عنها؛ لأنّها سترافق زوجها إلى عمله في السّعودية، ولن تراها إلا كضيفة عندما يعودون للزّيارة في العطل الصيفيّة.

أمّ جمانة: لعنة الله عليها.

أبو جمانة: وحدّي الله يا لطيفة، ماذا جرى لك؟ لا نزال في أوّل الطريق بمصاهرتنا لهم، وإيّاك أن تذكري أيّة كلمة مسيئة عن أمّ أسامة أمام البنات.

أمّ جمانة: البنات ذكيّات، خصوصا جمانة فهي تعرف كلّ شيء عن هذه المرأة.

أبو جمانة: اتركي جمانة وشأنها، ولو أنّ الزّواج يتمّ بناء على معرفة الوالدين لما تزوّج أحد. وأسامة شابّ متعلّم وذو دين، ويخاف الله.

أمّ جمانة ممقوتة: المثل لم يترك أمرا إلا وتطرّق له.

قاطعها أبو جمانة غاضبا: ماذا قال المثل؟

أمّ جمانة: المثل يقول:" الجرو ابن الكلب."

غضب أبو جمانة من زوجته وصاح بها:

ماذا جرى لك يا امرأة؟ أراك في هذا الصّباح مثل الدّجاجة الرّاقدة على بيضها....نق...نق....، أغلقي فمك ولا أريد أن أسمع هذا الكلام منك مرّة ثانية. واحذري أيّة كلمة بهذا الخصوص أمام البنات، لأنّ تأثير ذلك سيكون عكسيّا على نفسيّة جمانة.

لطيفة: اسمع يا عيسى، جمانة عقلها أكبر من عمرها بكثير، ولها قناعاتها الخاصّة بها.

أبو جمانة ساخرا: عقلها كبير مثل عقل أمّها.

غضبت لطيفة وسألت:

عقل أمّها، ما به؟ شرف لك ولها أن تكون صاحبة عقل مثل أمّها.

ضحك أبو جمانة من باب "شرّ البليّة ما يضحك" وقال:

أحمد الله أنّ جمانة ذكيّة لمّاحة، مجتهدة، خلوقة، مثقّفة تقضي وقتها بين الكتب. ولهذا فهي تعرف كيف تتعامل معك ومع غيرك، كما أنّها شجّعت شقيقاتها على المطالعة، حتّى أصبحن مثالا يحتذى لبنات المدرسة كافّة بأخلاقهنّ واجتهادهنّ ووعيهنّ، وهذا فضل من الله.

طرحت جمانة على والديها تحيّة الصّباح وهي خارجة من البيت في طريقها إلى جامعتها، جمانة تحبّ الوصول إلى كليّة الآداب في دار الطفل العربي مشيا على الأقدام عندما يكون الجوّ معتدلا، فالمشي رياضة تبعث النّشاط في الجسم، تسير من حيّ الصّوّانة على السّفح الغربيّ لجبل الزّيتون، عند الوادي تتّجه يمينا، لتصل من خلال أقرب الطّرق، فالمسافة ليست طويلة، ولا تزيد عن كيلو متر واحد.

ما إن دخلت الجامعة حتّى تجمّعت حولها زميلاتها يباركن خطوبتها، عندما سألتها زميلتها سندس عن الحلوى أجابتها جمانة:

الحلوى في البيت.

ردّت عليها سندس ضاحكة:

سيكون وفد منّا في بيتكم عند السّاعة الخامسة من بعد ظهر هذا اليوم للمباركة، هل يناسبك هذا الوقت؟

- أهلا بكنّ في كلّ وقت.

سندس تخلط الجدّ بالهزل:

العقبى لنا يا رب.

ضحكت البنات وهنّ يردّدن آمين يا ربّ العالمين.

ينتهي دوام جمانة في الكلّيّة عند السّاعة الثّانية ظهرا، عادت إلى بيتها مسرعة، بعد أن اشترت "سفط" بقلاوة من أشهر محلّ للحلويات في منطقة باب العمود أشهر بوّابات القدس.

في البيت خلعت جمانة جلبابها وحجابها، سرّحت شعرها، وضعت قليلا من الحمرة على شفتيها، كحّلت عينيها، فبدت رموشها أطول من المعتاد بلونها الأسود الفاحم الذي اكتسبته من الكحل، ارتدت فستان الخطوبة الجميل، وضعت مصاغها الذّهبيّ، تدلّى السّلسال على جيب صدرها، انتظرت في الصّالون مع والدتها وشقيقاتها حضور الزّميلات المهنّئات. وصلن في سيّارة أجرة، كنّ خمس فتيات، اثنتان منهنّ محجّبات، وواحدة متزوّجة وأمّ لطفل.

وقفت جمانة أمام البيت كغزالة نافرة، شعرها يتطاير مع النّسيم العليل، صدرها ناهد، عيناها واسعتان، ضحكت زميلاتها وهنّ يقبّلن وجنتيها ووجنتي والدتها، ووجنتي شقيقتها تغريد.

قالت سوسن لزميلاتها مازحة:

يبدو أنّ التي تخطب تزداد جمالا.

أميمة: العقبى لي ولكلّ واحدة منكنّ.

قالت ديمة: أعتقد أنّ فترة الخطوبة هي الأجمل، لأنّ العروسين لا يظهران على حقيقتهما، وكلّ منهما يكذب على الآخر، ويحاول الظّهور كإنسان مثاليّ. وأضافت ضاحكة لهذا فإنّ جمانة ازدادت جمالا بعد الخطوبة.

قالت سعاد المتزوّجة بلهجة جادّة:

حياة وتمرّ، لا أحد يرضى بما هو فيه، لا العازبة مرتاحة، ولا المتزوّجة ولا الخاطبة.

ابتسمت وداد وقالت: ما الدّاعي لهذا الكلام، مصير كلّ منكن أن تكون خطيبة وزوجة وأمّا، وستجرّب ذلك بنفسها. ثمّ التفتت إلى جمانة وسألتها:

أين صور حفل الخطوبة يا جمانة؟

ارتبكت جمانة قليلا، ثمّ قالت:

لم يكن حفل كما تعتقدن، هو مجرّد لقاء عائليّ، تمّ فيه عقد الزّواج، لأنّ إجازة أسامة انتهت وسافر إلى عمله في السعودية.

وداد: ألم تتصوّروا صورا للذّكرى، فالمرء يتزوّج مرّة واحدة؟

سعاد مازحة: وقد يتزوّج أربعا خصوصا إذا كان متديّنا، فالإسلام أحلّ للرّجل أربع زوجات.

ردّت عليها جمانة باسمة:

إذا تزوّج ثانية سأخنقه.

ديمة: متى ستتزوّجان؟

جمانة: في عطلة المدارس الصّيفيّة بعد حوالي خمسة أشهر.

ديمة: لماذا عقدتما عقد القران بهذه السّرعة؟

جمانة: كي نستطيع الجلوس والتّحدّث مع بعضنا كزوجين.

ديمة: اختلفت العادات والتّقاليد كثيرا عن زمن أمّهاتنا، وهناك نسبة طلاق مرتفعة قبل الدّخول.

أمّ جمانة عابسة: كفانا الله شرّ ما تقولين يا بنيّتي.

ديمة: لا تفهميني خطأ يا خالة، فأنا أعتبر جمانة أختي، وأعرف فتيات من جيلنا يحملن لقب مطلّقة وهنّ عذارى. وما دفعني لقول هذا هو عدم وجود صور للعروسين، وأكثر ما أخشاه أنّ هناك من اعتبر الصّور والتّصوير حراما.

تنهّدت سعاد وقالت:

الصّور ليست مهمّة، الأكثر أهمّيّة إذا توفّرت النّيّة للسّتر.

أم جمانة: كلّ من يتزوّجون هدفهم الأوّل هو السّتر، وإذا لم يتوفّر السّتر فالذي حلّل الزّواج حلّل الطلاق.

وداد: ما لنا ولهذا الكلام، ما رأيكن أن نضع "كاسيت" غناء ونرقص مشاركة منّا لجمانة بفرحها؟

أمّ جمانة: شكرا لكنّ، والعقبى لفرح كلّ منكنّ، ولا داعي للرّقص والغناء ما دام العريس غير موجود.

أكلن الحلوى، وصرفتهنّ تغريد إلى حديث عن الدّراسة الجامعيّة، إلى أن غادرن.

*****

رأت جمانة نفسها أمام أمر واقع، وما عليها سوى قبوله والتّعايش معه، فخطوبتها فتحت أبواب أنوثتها الكامنة، صارت تهتمّ بزينتها كما بقيّة الفتيات، قرّرت توثيق علاقتها مع حماتها وأسرة خطيبها، لكسب ودّهم، فبعد بضعة أشهر ستصبح واحدة منهم. شجّعتها والدتها على ذلك.

في مساء أوّل يوم جمعة بعد سفر أسامة، رنّ جرس الهاتف في بيت أسرة جمانة، التي أمسكت سمّاعة الهاتف وقالت:

السّلام عليكم.

- وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته.

- هل تعرفين من يتكلّم معك.

ردّت ضاحكة: نعم أنت أسامة.

- كيف عرفت؟

- ظهر على شاشة الهاتف رقم دوليّ، ولا أحد يتّصل بنا من الخارج، فتوقّعت أنّ المحادثة منكَ. ما أخبارك؟

- أنا بخير... وأنتِ؟

- الحمد لله كلّنا بخير.

- هل يسمع مكالمتنا أحد غيركِ.

- لا.

- هل تعلمين أنّ طيفك يلاحقني ليل نهار، وأنّك لا تغيبين لحظة واحدة عن مخيّلتي.

- وأنا أفكّر بكَ دائما.

قال بلهجة ناعمة: طعم شفتيكِ لا يزال عالقا بشفتيّ. هل تشعرين مثلي؟ وهل تشتاقين قبلتي؟

- سنتزوّج في الصّيف القادم إن شاء الله.

- المهمّ اسمعيني جيّدا.

- تفضّل.

- أريد منك أن لا تخرجي من باب البيت دون نقاب.

- أنا أضع الحجاب قبل أن أبلغ العاشرة من عمري، ولا أخرج من البيت دونه. ووجه المرأة وكفّاها ليست عورة.

- من قال لك هذا الكلام؟ المرأة كلّها عورة، حتّى صوتها عورة.

- قرأت ذلك في الكتب الدّينيّة.

- عن أيّ كتب دينيّة تتحدّثين؟

- قال الحافظ ابن عبد البرّ في التمهيد (6|364) في المرأة: «كلّها عورة إلا الوجه والكفين. على هذا أكثر أهل العلم. وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصّلاة والإحرام. وقال مالك وأبو حنيفة والشّافعي وأصحابهم – وهو قول الأوزاعي وأبي ثور: "على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها".

- ويقول الله تعالى :"ولا يبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها". فروي عن ابن عباس وابن عمر: "إلا ما ظهر منها: الوجه والكفّان".

أسامة: أنا مع رأي من قالوا بالنّقاب، ومنهم ابن عثيمين فقد قال:" بأنّ المرأة إذا خرجت من بيتها عليها أن تضع النّقاب، وأن تضع نظّارة سوداء علي عينيها كي لا يرى أحد منها شيئا."

رفعت جمانة صوتها قليلا وسألت مستنكرة:

وهل ابن عثيمين أكثر علما في أمور الدّين من الأئمة مالك وأبو حنيفة والشّافعي؟

ردّ عليها أسامة بلهجة تهديد:

اسمعيني جيّدا، أنا زوجك وآمرك بوضع النّقاب؛ لأنّ ذلك أمر دينيّ، وأنت جميلة جدّا وأنا أغار عليك حتّى من النّسيم الذي يلامس وجهك.

جمانة: إذا كان وجه المرأة وكفّاها عورة، فلماذا لا تضع أمّك وأخواتك ومحارمك النّقاب؟

رفع أسامة صوته محتجّا:

ما لك ولأمّي وأخواتي ومحارمي، فأنت زوجتي وملك يميني، وعلى المرأة أن تطيع زوجها فيما لا معصية فيه.

جمانة: أنا قبلت بك زوجا، لك حقوق عليّ ولي حقوق عليك، لكن لن أكون جارية لك أو لغيرك.

أسامة: من قال لك أنّك جارية؟

جمانة: أنت قلت هذا...ألم تقل أنّني ملك يمينك؟

أسامة: لم أقصد ما فهمتِه يا جمانة، لكن عليك أن تفهمي أنّ جسمك أصبح ملكا لي منذ عقد قراني عليك.

جمانة: جسمي ملك لي وحدي، وقد أباح الله للزّوجين أشياء يعرفها جميع البشر، لكنّ المرأة تبقى إنسانا مثل الرّجل، لها عقلها وأحاسيسها وكرامتها.

أسامة: يبدو أنّ النّقاش معك لن يفضي إلى شيء...مع السّلامة.



 توقيع : Şøķåŕą

مواضيع : Şøķåŕą


رد مع اقتباس
3 أعضاء قالوا شكراً لـ Şøķåŕą على المشاركة المفيدة:
 (منذ 4 أسابيع),  (منذ 3 أسابيع),  (منذ أسبوع واحد)
قديم منذ 4 أسابيع   #2


الصورة الرمزية نور القمر

 
 عضويتي » 751
 اشراقتي ♡ » Jul 2018
 كُـنتَ هُـنا » منذ 11 دقيقة (08:24 PM)
موآضيعي » 28811
آبدآعاتي » 8,889,116
 تقييمآتي » 2429348
 حاليآ في » بقلب عاشقي
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه Saudi Arabia
جنسي  »  Female
 حالتي الآن »
آلقسم آلمفضل  » الآسلامي♡
آلعمر  » 29سنة
الحآلة آلآجتمآعية  » » 💔
تم شكري »  56,652
شكرت » 86,824
الاعجابات المتلقاة » 12668
الاعجابات المُرسلة » 19034
 التقييم » نور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond reputeنور القمر has a reputation beyond repute
نظآم آلتشغيل  » Windows 8
مُتنفسي هنا » مُتنفسي هنا
مَزآجِي  »  1
мч ммѕ ~
MMS ~
 
قَدَاسَة طُهِّرَ | | أَوْسِمَتِي | |
وسآم - ♥ |الكابتن-2024  


/ نقاط: 0

وسام المجلس 2  


/ نقاط: 0

وسآم || توقعات..تصفيات كأس العالم 2026  


/ نقاط: 0

وسام التوقعات دوري ابطال اوروبا ريال مدريد الاسبان  


/ نقاط: 0

فعالية-كلمات وحروف|مع سكرة  


/ نقاط: 0

  كل الاوسمة: 208

 

نور القمر متواجد حالياً

افتراضي



سلمت اناملك على
ماجادت به من روعة بالطرح
دام لنا ابداعك بأرقى حالاته
بأنتظار عطائك القادم


 توقيع : نور القمر



ياروح اختها علي لاهداء
الحلوو يجننن
المساتك دائما ساحره
جذابه بريشتك الحلوو
الله لايحرمني منك يارب








رد مع اقتباس
قديم منذ 4 أسابيع   #3


الصورة الرمزية حاء

 
 عضويتي » 6
 اشراقتي ♡ » May 2017
 كُـنتَ هُـنا » منذ 14 ساعات (06:19 AM)
موآضيعي » 103
آبدآعاتي » 1,687,707
 تقييمآتي » 1121254
 حاليآ في » دعنا غرباء أنا أفقد كل ما أحُب .
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه Saudi Arabia
جنسي  »  Female
 حالتي الآن » " لا بأس بأن نشيّع أحلامنا تشييعًا رمزيًّا . "
آلقسم آلمفضل  » الترفيهي♡
آلعمر  » 28سنة
الحآلة آلآجتمآعية  » مرتبطة ♡
تم شكري »  12,166
شكرت » 52,344
الاعجابات المتلقاة » 10159
الاعجابات المُرسلة » 26404
 التقييم » حاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond reputeحاء has a reputation beyond repute
نظآم آلتشغيل  » Windows 10
مُتنفسي هنا » مُتنفسي هنا
مَزآجِي  »  بحب_الزعتر
 
قَدَاسَة طُهِّرَ | | أَوْسِمَتِي | |
وسآم - ♥ |الكابتن-2024  


/ نقاط: 0

وسآم -|| ♥| مدللة رواية عشق ●  


/ نقاط: 0

وسآم || توقعات..تصفيات كأس العالم 2026  


/ نقاط: 0

وسام التوقعات دوري ابطال اوروبا ريال مدريد الاسبان  


/ نقاط: 0

فعالية-كلمات وحروف|مع سكرة  


/ نقاط: 0

  كل الاوسمة: 143

 

حاء غير متواجد حالياً

افتراضي



_


متصفح بمحتوى جميل
كل الشكر للجهد و العطاء
لروحك الود و الورد


 توقيع : حاء

_

فنسألُك العوضُ بعدَ الصبرِ .


رد مع اقتباس
قديم منذ 4 أسابيع   #4


الصورة الرمزية ريناد

 
 عضويتي » 2283
 اشراقتي ♡ » Jul 2023
 كُـنتَ هُـنا » منذ أسبوع واحد (05:58 AM)
موآضيعي » 55
آبدآعاتي » 473,608
 تقييمآتي » 280934
 حاليآ في » 🤍🕊
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه Saudi Arabia
جنسي  »  Female
 حالتي الآن » "عاشق خُزامى مُستهام "
آلقسم آلمفضل  » الترفيهي♡
آلعمر  » 24سنة
الحآلة آلآجتمآعية  » » ❤
تم شكري »  5,351
شكرت » 5,356
الاعجابات المتلقاة » 4848
الاعجابات المُرسلة » 4124
 التقييم » ريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond reputeريناد has a reputation beyond repute
نظآم آلتشغيل  » Windows 2000
مُتنفسي هنا » مُتنفسي هنا
مَزآجِي  »  ماخصني_بشي
мч ммѕ ~
MMS ~
 
قَدَاسَة طُهِّرَ | | أَوْسِمَتِي | |
وسآم -|| ♥| قطرات الإبداع ●  


/ نقاط: 0

وسآم || توقعات..تصفيات كأس العالم 2026  


/ نقاط: 0

وسام التوقعات دوري ابطال اوروبا ريال مدريد الاسبان  


/ نقاط: 0

فعالية-كلمات وحروف|مع سكرة  


/ نقاط: 0

♥| وسام مَواصيف الرقه  ., ●  


/ نقاط: 0

  كل الاوسمة: 51

 

ريناد غير متواجد حالياً

افتراضي



؛









انتقاء جميل ..
سلمتِ


 توقيع : ريناد

؛











إنْ لِلخزامى رُوحِي تنتمِي ..


رد مع اقتباس
قديم منذ 4 أسابيع   #5


الصورة الرمزية نبضها مطيري

 
 عضويتي » 1052
 اشراقتي ♡ » Jan 2019
 كُـنتَ هُـنا » منذ 2 ساعات (06:23 PM)
موآضيعي » 8424
آبدآعاتي » 3,965,035
 تقييمآتي » 2312666
 حاليآ في » في قلب المطيري ❤
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه Saudi Arabia
جنسي  »  Female
 حالتي الآن » مزاجيه
آلقسم آلمفضل  » الأدبي♡
آلعمر  » 50سنة
الحآلة آلآجتمآعية  » مرتبطة ♡
تم شكري »  32,361
شكرت » 16,365
الاعجابات المتلقاة » 8893
الاعجابات المُرسلة » 46
 التقييم » نبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond reputeنبضها مطيري has a reputation beyond repute
نظآم آلتشغيل  » Windows vista
مُتنفسي هنا » مُتنفسي هنا
مَزآجِي  »  انا_برواية_وبس
мч ммѕ ~
MMS ~
 
قَدَاسَة طُهِّرَ | | أَوْسِمَتِي | |
وسآم - ♥ |الكابتن-2024  


/ نقاط: 0

وسام المجلس 2  


/ نقاط: 0

وسآم || توقعات..تصفيات كأس العالم 2026  


/ نقاط: 0

وسام التوقعات دوري ابطال اوروبا ريال مدريد الاسبان  


/ نقاط: 0

فعالية-كلمات وحروف|مع سكرة  


/ نقاط: 0

  كل الاوسمة: 190

 

نبضها مطيري متواجد حالياً

افتراضي



سلمت اناملگ على الانتقاء المميز
لاحرمنا المولى هذا الهطول الجميل
لروحك السعاده


 توقيع : نبضها مطيري




كفن
انت عيدي و آجمل أيآم العمر
و انت فرحة قلبي و حظي الحلو
كل عآم وانت لـ عيدي فرحه


رد مع اقتباس
قديم منذ 4 أسابيع   #6


الصورة الرمزية عٍشُقٌ♡

 
 عضويتي » 2075
 اشراقتي ♡ » Jun 2022
 كُـنتَ هُـنا » منذ 51 دقيقة (07:45 PM)
موآضيعي » 5378
آبدآعاتي » 1,820,744
 تقييمآتي » 893468
 حاليآ في » دائما في رواية عشق
دولتي الحبيبه » دولتي الحبيبه Saudi Arabia
جنسي  »  Female
 حالتي الآن » وجودك أجمَل شيء حبّه قلبيِ ورَضا فيه
آلقسم آلمفضل  » الآسلامي♡
آلعمر  » ❤
الحآلة آلآجتمآعية  » مرتبطة ♡
تم شكري »  15,758
شكرت » 22,237
الاعجابات المتلقاة » 3270
الاعجابات المُرسلة » 4010
 التقييم » عٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond reputeعٍشُقٌ♡ has a reputation beyond repute
نظآم آلتشغيل  » Mac
مُتنفسي هنا » مُتنفسي هنا
مَزآجِي  »  فديتك_ياغلاهم
мч ммѕ ~
MMS ~
 
قَدَاسَة طُهِّرَ | | أَوْسِمَتِي | |
وسآم - ♥ |الكابتن-2024  


/ نقاط: 0

♥ وسام |رقَيقة على هيئَة حيآة كآملة ●  


/ نقاط: 0

♥| وسام مَلامح النقاءْ  ., ●  


/ نقاط: 0

وسام اضافة 1000 مشاركة || شكرا لجهودك ||  


/ نقاط: 0

وسآم || توقعات..تصفيات كأس العالم 2026  


/ نقاط: 0

  كل الاوسمة: 129

 

عٍشُقٌ♡ متواجد حالياً

افتراضي



طرح رائع وَ أنتقاء مميز
جزيل الشكر وَ التقدير لك
يعطيك العافية


 توقيع : عٍشُقٌ♡

-أتوهُ بعينيكِ التي تتلو على قلبي الحنين


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
"الرهانات الخاسرة".. محاولات تنظيم الإخوان لضرب استقرار تونس ♡ Šąɱąя ♡ ⁂ الأخبَـار اليومِية والصحُف العربِية والعَالمية ⁂ 14 04-20-2024 06:48 PM
الجنيه المصري ينضم لقائمة العملات الخاسرة مقابل الدولار شيخة رواية ⁂ الأخبَـار الإقتصـادية والمَاليـة ⁂ 11 12-12-2022 03:36 PM
الصفقة الخاسرة نور القمر ♬ عَالم القِصـة والروَايـة ♬ 14 09-20-2022 04:00 PM


الساعة الآن 08:36 PM


Powered by vBulletin Hosting By R-ESHQ
new notificatio by R-ESHQ
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2024 DragonByte Technologies Ltd.
تنويه : المشاركات المطروحة تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس بالضرورة تمثل رأي أدارة الموقع